كانت قبائل قريش تأخذ على بنى قصى أنهم جمعوا في أيديهم الحجابة للبيت الحرام ، والقيام على شؤونه ، وذلك شرف ليس فوقه شرف ، وسقاية الحجيج ، وذلك يذيع ذكرهم ويعلن اسمهم ، والندوة ، وهي شورى العرب ، فكانوا بذلك رؤساءهم ، وهم الذين يحملون لواء قريش ، وهذا كله إثارة للعرب عليهم ، ثم انحدرت هذه المنافسة إلى معاداة الحق الذي يأتي به أولاد قصي ، وبنو هاشم على رأسهم ، وقد ورثوا عنه بعض ما أخذه من قريش .
وإذا كانت قريش كلها تنفس على بنى قصى ما أخذوا أو يحسدونهم فبنو عبد مناف كانوا من بينهم يختصون بالحقد عليهم لأنهم الذين ورثوا شرف قصى ، وما كان معه ، ولقد ظهر ذلك على لسان فرعون هذه الأمة أبى جهل .
لقد سمعوا القران الكريم سرا ، وكانوا هم الأعداء الذين قد أصيبوا بلدد الخصومة ، ثم تذاكروا بعد السماع وقد تأثروا ، وقد قال أحدهم لأبى جهل : يا أبا الحكم ، ما رأيك فيما سمعت من محمد ، فقال حانقا : « ماذا سمعت ، تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف ، أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا ، حتى تحاذينا على الركب ، وكنا كفرسى رهان ، قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء ، فمتى ندرك مثل هذه ، والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه « 1 » .
وإذا كان أبو جهل يمثل أعنف وأحمق معارضة للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فهو في معارضته أوضح صورة للعصبية الجاهلية ، التي تضع على البصائر غشاوة ، فتعمى عن الحق ، ولا تدركه ، بل تدركه ، ولا تذعن له ، وترضى بالرديء الوبيء عن الحق الصادق المريء .
نسوق هذه الأمور ، لا لنبرر بها ذلك الموقف الجاهلي الذي وقفه أعداء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، أو إن شئت فقل خصومه الذين حاربوه وأعنتوه في الخصومة والمعاندة ، ثم عادوه ، وكانوا شياطين الإنس الذين ذكروا في القران الكريم على أن الله تعالى يجعل لكل نبي يبعثه عدوا من شياطين الإنس ، ليكتب الله تعالى له ثواب الجهاد والمصابرة . .
ولكن سقناه لنعلل الوقائع بأقرب أسبابها ، ولكي تزول كل غرابة في معاداتهم للحق ، وقد بدا وضحه ، وليعرف الباحث البواعث الحقيقية لتلك اللجاجة في العداوة التي ذهبت بهم إلى الإيذاء ، وأسرفوا بها في القول ، وأثاروا نيران البغضاء ، والواقع أن البغضاء للدين كانت مستكنة في نفوسهم ، واستيقظت بقوة دعوة محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام .
هامش
( 1 ) سيرة ابن هشام ح 1 ص 316 طبعة الحلبي .