تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
وقد يقول قائل إن دعوة محمد عليه الصلاة والسلام كانت ثورة فكرية واعتقادية واجتماعية واقتصادية وإنسانية بشكل عام ، ومن شأن الثورات أن تجتذب الجماهير فتندفع في نصرتها والأخذ بها ، ونقول في الإجابة عن ذلك أن ما أتى به محمد عليه الصلاة والسلام كان في نتيجته وغايته أعظم ثورة إنسانية رآها التاريخ الإنسانى ، في نتيجتها وثمراتها وغاياتها ، لا في وقائعها وأشكالها ، فإن الثورات الجامحة انفعالات للجماهير تكون كانفعال الأشخاص لا تلبث أن تنطفئ ، إذ ذلك شأن الانفعالات دائما ، لا فرق بين أن تكون في الآحاد وأن تكون في الجماعات ، واعتبر ذلك بالثورات الأوربية ، فأعظمها مظهرا الثورة الفرنسية ، انفعلت بها فرنسا انفعالة شديدة ، ثم لم تلبث حتى أخذت تأكل نفسها ، وكثرت ثورات زعمائها على أنفسهم جماعة بعد جماعة حتى رسبت في اخر الأمر في حكم يشبه حكم القياصرة ، كما كان في عهد نابليون الذي نال الكمثرى فيها بعد أن نضجت . أما دعوة محمد عليه الصلاة والسلام ، فقد كانت نابعة من أحكام المنطق وأحكام العقل ، والإمداد الإلهى بروح القدس ، وما كانت انفعالة ، بل كانت نفوسا مطمئنة راضية مرضية امنت بالحق وأخذت به ، دخلها الإيمان ولم يخرج منها . وهذا يكون من شأنه الدوام والاستقرار في النفوس التي يدخلها ، فإذا أشرق فيها إشراق لا ينطفيء ، فلا يشبه نار الهش من الأحطاب الذي ينطفيء بأقل الرياح ، بل يشبه الماء العميق البعيد الغور الذي لا تهزه الرياح ، فلا تعبث به الأهواء . لذلك كان الذين يدخلون قليلا قليلا من غير طفرة ، وانتقال انفعالى . 233 - ولقد اختبرت قلوبهم من أول دخولهم - لقد ابتدأ الإسلام يسرى كالنور في الظلام ، فأشرقت به قلوب مؤمنة ، فدخلها واستقر بها في وسط لجاجة الشرك وعوجاء أهله ، أسلم قوم مؤمنون ، ولكن منعوا من أن يقيموا شعائر دينهم ، فكانوا ابتداء لا يصلون في المسجد الحرام ، بل كانوا يذهبون للصلاة في شعاب مكة المكرمة مستخفين بدينهم ، لا يجهرون بقراءة القران الكريم بين ظهرانيهم ، ولقد كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يفعل ذلك ، ومكانته بين قريش مكانته ، وجاء أبو جهل الذي اشتهر بذلك الاسم في الإسلام واستحقه بعمله ، وقال في تبجح ظاهر للنبي عليه الصلاة والسلام : « ألم أنهك يا محمد عن الصلاة هنا » فلم يلتفت إليه النبي عليه الصلاة والسلام ، لأنه يعلم أن أدب الإسلام أنه إذا مر باللغو مر كريما ولم يلتفت . وكان المسلمون الأولون لا يستطيعون أن يجتمعوا ليتعلموا من الرسول دينهم ، بل كانوا يجتمعون خفية في دار الأرقم بن أبي الأرقم ، قالوا إنه يجتمع في هذا البيت الطاهر نحو تسعة وثلاثين كانوا هم المجتمعين عندما أسلم عمر رضى الله تبارك وتعالى عنه ، وليس معنى ذلك أن الذين أسلموا كانوا هذا العدد