وإن إسناد الأمور لأسبابها لا يعد تبريرا لها ، ولكن يكون تبيانا للوقائع ، وإن الأسباب في ذاتها إثم ، والإثم لا يولد إلا إثما ، واللجاجة لا تولد إلا فجورا واثاما .
لقد يعجب الناس كيف يمارى أولئك وفيهم عقل في الواحدانية ، ويجادلون في الله تعالى وهم يعلمونه ، وهو شديد المحال ، كيف يقف أمثال الوليد بن المغيرة وهو من أذكياء العرب ، والنضر بن الحارث موقف المعارضة ، وفيهم إدراك سليم ، ولكن عميت عليهم الأمور بسبب ما ذكرنا فكانوا في حيرة بين ماض ألفوه ، وألفوا معه الدعة والمال والجاه والسيطرة ، وحاضر قد أدركوه ، ورأوا نور الحق الذي ساروا فيه ، ولكن ما أن يبرق عليهم نوره ويمشوا فيه ، حتى تكون غاشية المال ، وغاشية الجاه ، وغاشية الاستعلاء ، وغاشية التعصب القبلي المردى .
ومنهم من كان يرد النور إلى قلبه رويدا رويدا ، فكان في وسط ذلك الأتون من العداوة نور يهدى إلى التي هي أحسن ، والله عليم بذات الصدور .
تلقى الناس للدعوة
229 - تلقى الناس في مكة المكرمة دعوة النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن أعلنها على الصفا ، مخاطبا عشيرته الأقربين أولا ، ثم مخاطبا العرب أجمعين ثانيا ، حين صدع بأمر ربه ، تلقوها مشدوهين لغرابة الجديد ، فقسم صغى قلبه إليها ، وأولئك السابقون الأولون الذين اصطفاهم الله تعالى لحمل دعوته ، ومعاونة النبي عليه الصلاة والسلام في تبليغ رسالته ، ونشرها في الأرض ومجاوزتها الأقطار من بعده .
وكان من هؤلاء الضعفاء الذين حرموا السلطان ومتعة الحياة ، ورأوا في دعوة محمد صلى الله عليه وسلم أملا مرجى في الآخرة وإذ لم يكونوا في حال مرضية البقاء ، بل هي مرجوة الإنهاء ، فأوجد فيها الإسلام الأمل في إنهائها ، فسارعوا إليها ، وذاقوا العذاب في سبيلها ، فصبروا من غير انزعاج أو ارتداد ، بل مضوا في الطريق حاملين البؤس والبأساء ، في جلد وصبر وإيمان ، وقد مكن الله تعالى لهم ، ووفاهم صبرهم و
إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
« 1 » .
والقسم الثاني أعلن العداوة للنبي منذ ابتدائها ، وشنوا غارة على الذين يؤمنون ، وعلى رأس هؤلاء أبو لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام ، ومن هؤلاء من ذهبت غلواؤهم في العداوة ، ولجاجتهم في الخصومة إلى إيذاء المؤمنين ، وتعذيب الضعفاء من العبيد والفقراء ، ومن لا حول لهم ولا طول من عشيرة تحميهم ، وعزة من النفر يدافعون عنهم ، وكثير ممن دخلوا في الإسلام كانوا على ذلك النحو ، إذ لم يجدوا جوارا من أحد يدفع عنهم الأذى وعلى رأس المؤذين أبو جهل .
هامش
( 1 ) سورة الزمر : 10 .