وإن اعتراضهم أخذ ثلاث صور ، الصورة الأولى محاولة حمل النبي عليه الصلاة والسلام على ترك الدعوة التي يقوم بها ، وينشر الإسلام عن طريقها ويحارب الوثنية بكل ضروبها .
الصورة الثانية - المجادلة ومحاولة إحراج النبي عليه الصلاة والسلام بمطالب هي غير معقولة في ذاتها ، بقصد تعجيزه ، وإظهار عجزه أمام الناس أجمعين عسى أن يكون في ذلك صد الناس عنه .
الصورة الثالثة - الإيذاء في صوره المختلفة ، بالإيذاء الفعلي الاحادى للنبي عليه الصلاة والسلام خاصة ، وللذين يؤمنون من الناس ، ولم يخلص منهم كبراؤهم ، ووقع شديد على ضعفائهم ، ثم كان من ذلك إيذاء جماعي ، أنزل من قريش كلها على بني هاشم كلهم وإخوانهم بني المطلب ، وقد تلقوا جميعا مقاطعة قريش لهم ، ولم يقبل دنية الافتراق عن أسرته إلا أبو لهب ، أما الباقون فتحملوه صابرين مشاركين معاونين ، واستوى في ذلك مؤمنو بني هاشم وبني المطلب على سواء .
وقد لوحظ أن الإيذاء كان يجعل الإيمان يذيع وينمو ، لأن الناس تنفطر نفوسهم لألم المتألمين ، ويدفع حمية الذين لهم صلة بمن يؤذون ، فتدفع المروءة إلى مشاركتهم في سبب الإيذاء تحديا ومقاومة لذلك الشر ، فقد دفع الإيذاء للنبي عليه الصلاة والسلام حمزة بن عبد المطلب لأن يعلن إسلامه ، ثم يعلن إيمانه ، كما سنبين إن شاء الله تعالى في إسلام حمزة .
وقد يكون اندفاع المؤذى في إيذائه مفرطا فيه دافعا لأن ينفطر قلبه ، فيجد سبيلا للإيمان ، كما كان الشأن في إيمان عمر بن الخطاب ، فقد كان الدم الذي انبثق من شج أخته إيذاء لها على إيمانها سببا في أن فتح الله تعالى قلبه لأنه استمع إلى الآيات التي تتلى ، فرحمه الله تعالت كلماته بأن فتح صدره للإيمان فامن .
وكان الإيذاء سببا في الهجرة إلى الحبشة ، وفي الهجرة إليها شاع اسم الإسلام في ربوعها ، وإن لم يتبعه إلا ملكها ، وسنذكر بعون الله تعالى تلك الصور المختلفة للمقاومة بعد أن نتكلم في درجات الدعوة ، والجهر بها .
الذين استجابوا لله والرسول
232 - سرى الإسلام إلى النفوس من أول نزوله ، وإذا كان الذين سارعوا إلى الدخول فيه عددا قليلا ، فذلك شأن كل دعوة تعتمد على الحق المجرد ، فإنها تدخل في قلوب الجماعات في ريث من غير تعجل ، ولا انسياق من غير تفكر وتدبر ، ولكنها صارت كالجبال .