227 - وإن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم بهذه الدعوة التي تسوى بين الغنى والفقير ، وتوجب حقا للفقير في مال الغنى - قد مس كبرياءهم وهز مراكزهم هزا عنيفا ، وأحسوا بالأرض تميد من تحتهم إذ أن ذوى الأنساب منهم يستعلون بأنسابهم ، ويحسبون أنهم الأشراف واحدهم ، والناس دونهم ، وهم الأعلون وغيرهم الأدنى ، فكان لابد أن يقاوموا ذلك الداعي الجديد الذي يقول بلسان المقال وبلسان الفعال « لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى ، وأن الجنة لمن أطاع ، ولو كان عبدا حبشيا ، والنار لمن عصى ، ولو كان شريفا قرشيا » فهو يأخذ بنواصى الأقوياء ليضعها بجوار رؤس الضعفاء ، وقد لمحوا ذلك في أتباعه ، فقد رأوا أبا بكر نسابة العرب ومألف قريش ، يكون بجوار بلال وعبيد أبى بكر نفسه ، لا يفرق بينهما إلا فضل الإيمان ، فهو مقياس الشرف والضعف ، والإكبار والإصغار .
بلا شك هذه مبادئ اجتماعية لا يقبلها شرفاء مكة ورؤساؤها ، ومحمد عليه الصلاة والسلام لابد منفذها ، لأنه كان ينفذها قبل أن يكون نبيا رسولا ، فكيف لا ينفذها ، وقد نزل الوحي عليه ، وجعلها هو نظاما واجب الاتباع ، من لم ينفذه إن لم يعاقب اليوم فالنار الموقدة تلقاه يوم القيامة ، ويلقى به في السعير .
وقد قوى هذا أن الضعفاء أقبلوا على ما يدعو إليه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم غير نافرين منه ، بل كانوا مستجيبين أشد الاستجابة ، وابتدأ الأقوياء الذين دخلوا في الإسلام يعاملون الرقيق ، كما يعاملون الأحرار .
إذن لابد من مقاومة ذلك التيار الذي جاء مع الدعوة ، ولا يتركونه حتى ينمو ، ويستغلظ ويستوى على سوقه ، ويكون قوة تقوض ما تحت أيدي قريش من شرف وهمى ، وسلطان استمدوه من ذلك الشرف الواهن في بنيانه .
ثم إنهم كانوا الرؤساء الأعلون ، ولهم شبه سلطان ، وإنه إذا ذاع دين محمد عليه الصلاة والسلام ، وصار السلطان للحق واحده ، وحكمت المساواة ، وذهبت المنازعات القبلية ، فمحمد ذو السلطان ، ويسلب كل ما لهم من سلطان ، وما بنوه من مجد طريف وتالد ينهدم بين أيديهم ، لأنهم يبنون سلطانهم على أنهم ذرية إسماعيل وضئضيء إبراهيم وها هو ذا يدعوا إلى ديانة إبراهيم ، ويقول في غير عوجاء ولا لو جاء ، هذه ملة إبراهيم حنيفا ، وما كان من المشركين ، فأنى يكون لهم من بعد ذلك ، لابد إذن من اقتلاع دعوة محمد عليه الصلاة والسلام من جذورها ، والقضاء عليها في مهدها .
ثم إن بعض الكبراء منهم كانوا ينفسون على محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام ، ويتسائلون لماذا كانت له تلك المنزلة علينا ، ونحن أولى بها منه .
وقد ذكر ذلك الوليد بن المغيرة ، وادعى أنه أولى بالنبوة وأنه أكثر مالا وأعز نفرا ، ومثل ذلك عروة ابن مسعود الثقفي ، ونزل فيهما قوله تعالى :
وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ