الاخر ، لأنه عليه الصلاة والسلام يعلم أنهم عنه غافلون « والله لتموتن كما تنامون ، ولتبعثن كما تستيقظون ، ولتجزون بالإحسان إحسانا ، وبالشر شرا ، وإنها للجنة أبدا أو للنار أبدا ، وإنكم لأول من أنذر بين يدي عذاب شديد » .
إن المشركين من العرب كانوا قوما ماديين لا يؤمنون إلا بالحس ، يعرفون الله ، ولكن يصورون حجارة ليعبدوها فلا يعبدونه سبحانه ، وهو غيب عنهم ، فكان كل هذا غريبا ، ومن يستغرب من غير دليل ، ينكر ، ثم يستنكر من غير دليل أيضا ، ولقد حكى الله تعالى عنهم في إنكار اليوم الآخر وما يكون :
وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ، أَ إِذا كُنَّا تُراباً ، أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ . أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ، وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ ، وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
« 1 » .
ويقول سبحانه وتعالى في استغرابهم الخلق من جديد :
وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ . قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
« 2 » .
ولجهلهم بالنبوات أثار عجبهم ، والغرابة في نفوسهم أن جاءهم بالرسالة عن الله تعالى رجل منهم يدعو إلى الله سبحانه ، ولو كانوا يعلمون أن الرسول لا يكون إلا رجلا يمشى بين الناس ما ثار عجبهم لكونه رجلا ، ولقد قال قائلهم في الدعوة إلى التمسك بالحجارة :
وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ ، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ . ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ ، إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ . أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا ، بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي ، بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ
« 3 » ، وهكذا كانت من أسباب غرابتهم بشرية الرسول ، لأنهم أميون لم يعرفوا الرسالة ، ولم يدركوها من قبل .
ولقد قال الله تعالى عنهم :
وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ ، لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ ، فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً . أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ ، أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها ، وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً
« 4 » .
فجهلهم بالنبوات والرسلات ، وعدم وجود أنبياء بينهم علموا منهم رسالات الله تعالى إلى خلقه ، وأن الرسل قوم من البشر ، جعلهم يستغربون أن يكون الرسول بشرا سويا يأكل مما يأكلون ، ويشرب مما يشربون ، وإذا كان الأمر غريبا عليهم ، فقد كان حقا عليهم أن يتعرفوا الحقائق لتزول الغرابة عنهم ، ويستأنسوا بنور النبوة ، ولكنهم عاندوا فلج بهم العناد ، فكان منهم الجحود والكفران .
هامش
( 1 ) سورة الرعد : 5 .
( 2 ) سورة يس : 78 .
( 3 ) سورة ص : 6 ، 7 .
( 4 ) سورة الفرقان : 7 ، 8 .