ومن معاملاته أنه سيدعوهم إلى تحريم الخمر ، وهم يعاقرونها ، لأنه لم يذقها في الجاهلية ، وقد جاء القران الكريم بأنها ليست رزقا حسنا
وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً
« 1 » فجعل الرزق الحسن مقابلا للسكر ، فكانت إشارة إلى قبحه ، والربا كان جزا من تجارتهم ، وعلموا من تجارة محمد صلى الله عليه وسلم أنه لا يزاوله ولا يرتضيه ، والقران الكريم يتلى بينهم بالإشارة إلى تحريمه ، إذ يقول سبحانه :
وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ ، وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ
« 2 » .
فدل هذا بصريح العبارة أن هذا الدين الجديد الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام عليهم سيزعج الربويين الذين يستغلون أموالهم بالربا ، يدفعونه دينا ويأكلون من ثمرات تجارة غيرهم ربا ، وكان فيهم كبراء أثروا من هذا الباب ، وحسبوه كالبيع ، وقالوا
إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا
« 3 » .
وهكذا حسبوا أن ذلك الدين سيقلب عامة أمورهم ، فعاجلوه بالإنكار ، ولقد صور هذا الحال جعفر بن أبي طالب في حديثه مع النجاشي ، وإليك القصة كما جاءت في الصحاح في المجاوبة بين مهاجرة الحبشة ، ولسانهم الناطق جعفر .
قال النجاشي :
« ما دينكم ؟ أنصارى أنتم ؟ قالوا : لا . قال : أفيهود أنتم ؟ قالوا : لا ، قال : فعلى دين قومكم ؟ قالوا : لا ، قال : فما دينكم ، قالوا الإسلام . قال . فما الإسلام ؟ قالوا : نعبد الله لا نشرك به شيئا . قال . من جاءكم بهذا ؟ قالوا جاءنا به رجل من أنفسنا ، قد عرفنا وجهه ونسبه ، بعثه الله تعالى إلينا كما بعث الرسل إلى من قبلنا ، فأمرنا بالبر والصدق والوفاء وأداء الأمانة ، ونهانا أن نعبد الأوثان ، وأمرنا بعبادة الله تعالى واحده لا شريك له ، فصدقناه وعرفنا كلام الله تعالى ، وعلمنا أن الذي جاء به هو من عند الله ، فلما فعلنا ذلك عادانا قومنا ، وعادوا النبي الصادق وكذبوه ، وأرادوا قتله ، وأرادونا على عبادات الأوثان ، ففررنا إليك بديننا ودمائنا من قومنا » .
هذا الكلام يصور بعض التصوير التغيير الذي رأوه في عاداتهم ، فتجردوا لمناوأته ، وأخذ الطريق عليه إن استطاعوا .
ومما دفع إلى مبادرتهم بالإنكار غرابة الأمر في ذاته عليهم ، ما كانوا يؤمنون بأن هناك يوما اخر يحاسب فيه المحسن على إحسانه والمسئ على إساءته ، وأنها للجنة أبدا أو للنار أبدا ، ولقد أكد ذلك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عندما وقف لينذر قومه بعد أن أمره ربه ، فقد جاء في تلك الخطبة تأكيد لليوم
هامش
( 1 ) سورة النحل : 67 .
( 2 ) سورة الروم : 39 .
( 3 ) سورة البقرة : 275 .