ثم كان هذا القران الكريم الذي ابتدأ يتلوه عليهم ببيانه الذي فاق كل بيان ، وعلا عن أن يتسامى إليه أي إنسان ، وإن إشراق نفوس هؤلاء ، وحيرتهم في الأوثان ، إذ يرون الأوثان تفقد قوتها في نفوسهم ، وتنهار مكانتها في قلوبهم ، وبقايا الأديان السماوية تتورد على عقولهم ، وبعض سنن إبراهيم وماثره يزاولونها في حجهم ، وبنسبته إليهم يعتزون ويفاخرون ولم تسبق إلى نفوسهم نزعة حسد ، أو حقد ، أو منافسة مقيتة ، مما عوق غيرهم .
كانت نفوس الذين اتبعوا الرسول والذين آمنوا معه نفوسا صافية ، وما علاها من غبار الوثنية زال وشيكا ، فكان الحق واحده هو الذي لمع نوره وجذبه إليهم ، فوق ما كان مع محمد صلى الله تعالى عليه وسلم من بينات .
[ أقسام القلوب ]
ولقد قسم الباحثون في أخلاق الناس القلوب عند تلقى الحق ، إلى ثلاثة أقسام :
القسم الأول : القريب إلى الهداية
هو من يقتنع بالحق بمجرد بيانه ، فبيانه واحده يهداهم إلى سواء الصراط ، ولا يحتاجون إلى دليل غير سراج الحق المزهر ، وأولئك هم الذين ينظرون إلى الحق ، وقد خلت قلوبهم من هوى اللذات والشهوات ، فأشرقت بالحكمة وصفت ، فدخل نور الهدى فنطقوا به ، وعملوا به ، وساروا على منهاجه ، وأولئك لا يطالبون حامل الحق الداعي إليه ببرهان يقدمه ، فالحق واحده يحمل في نفسه دليل صدقه ، إذ اشرأبت إليه النفوس ، ومن هذا القسم أولئك الذين اتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم في أول الدعوة .
القسم الثاني : قوم امتلأت عقولهم بمعلومات سابقة
، أو اختلطت في نفوسهم نوازع الحق ، ونوازع الباطل ، وفيهم إدراك يميزون به بين الحق والباطل ، وأولئك يحتاجون إلى دليل ، لينفوا به خبث الفكر الذي خالط قلوبهم ، وأثر في نفوسهم ، فالبرهان يعينهم ، وينير السبيل لهم ، وذات الحق لا يكفى بيانه لكي يستولى عليهم ، ويسيرهم إلى الهدي ، فلابد من دليل يرجح نوازع الهداية على غيره .
والقسم الثالث قسم غلبت عليه الضلالة
، وغلبت عليه شقوته ، فلا يتبع الحق لذات الحق ، ولا يزهر في قلبه ، وليس له بصيرة مخلصة في طلب الحق ، وفي الوقت ذاته قد طمس على بصيرته ، فختم على قلبه ، وكان على إدراكه غشاوة ، وهؤلاء هم المعاندون المكابرون الذين جعلهم الله أعداء للحق ، وهؤلاء يكون موقفهم معاداة أصحابه ، وموقف أصحابه مدافعته ، فلا تكون العلاقة إلا ممانعة ، يمنعون الحق من أن ينتشر ، ويمانعهم هؤلاء ليدفعوا الأذى ، ولذلك لا يكون بينهم إلا السيف .
ولقد قال الغزالي إن قوله تعالى :
لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ، وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ، إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ
« 1 » .
هامش
( 1 ) سورة الحديد : 25 .