تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
دخل الناس في الإسلام أرسالا من الرجال والنساء ، حتى فشا ذكر الإسلام بمكة المكرمة ، وتحدث به ، ثم إن الله عز وجل أمر رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يصدع بما جاء به ، وأن يبادى الناس بأمره ، وكانت المدة بين ما أخفى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم واستتر بها إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه - ثلاث سنين فيما بلغني من مبعثه ، ثم قال تعالى :
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ
. ومن ذلك نستطيع أن نقول إن الدعوة المحمدية في مدة ثلاث السنين تدرجات في ثلاث مراحل ، أشار إليها من قبل الإمام ابن القيم في زاد المعاد إذ ابتدأت الدعوة من النبي عليه الصلاة والسلام ، ومن بيت النبوة سرت إلى من يتصل بهم من أصدقاء وخلان ، فكان من النبي عليه الصلاة والسلام إلي صديقه الأول أبي بكر عتيق بن أبي قحافة ، ومن عتيق سرت إلى أصدقائه كعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله ، ومن بيت النبوة سرت إلى صفية والزبير ، وغيرهم من عشيرة النبي عليه الصلاة والسلام وأقربائه الأدنين ، وهذه هي مرتبة الدعوة الأولي التي أشار إليها ابن القيم في ترتيب مراتب الدعوة . ثم كانت المرتبة الثالثة من بعد ذلك ، وهي مرتبة الدعوة العامة في قريش ومجابهتهم بدعوة الحق ، من غير أن تكون مقصورة علي بيت النبوة ، أو علي أقرباء النبي عليه الصلاة والسلام . وهي في كل مرتبة لا تقف عند الحدود التي ابتدأت فيها ، بل تسرى إلي غيرها ، سريان النور إلي الظلام ، وفي مرتبة العشيرة الأقربين خرجت إلى قريش كلها ، فما كان يدعو عشيرته من ال عبد المطلب وبني هاشم في كن مستور من الأرض ، بل كان يدعوهم جهرة في غير مواربة . وقد يسأل سائل ، ما الدليل الذي كان يسوقه النبي في هذه الدعوة ، فقد كان الذي نزل من القران الكريم قليلا ، وتوالى نزوله بعد ذلك ، ولم يذكر أن أحدا جادل حول القران الكريم ، أو طلب دليلا واستدل به ، فما الذي كان يهداهم إلى الاتباع من غير أن يعرفوا دليلا قدم ، وبرهانا أقيم . والجواب عن ذلك أن الاستجابة كانت للحق في ذاته ، ولما عرف من تاريخ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إذ كان الصادق الذي لم يعرف كذبه قط ، والأمين الذي لم يقترن عمل له بريبة قط ، والصفى في نفسه ، والمحبوب لمكارمه ، والعاقل الذي لم يعرف فيه انحراف فكرى ، بل هو المدرك المستقيم الإدراك في كل معاملاته ، وكل ما اتصل به من أعمال .