تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
كان الرق قد جرى عليه بالطريقة الجاهلية ، إذ قد أخذته جماعة من الفرسان وهو ابن ثماني سنوات ، وباعوه في سوق من الأسواق ، وال أمره إلى خديجة أم المؤمنين ، ثم وهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان عبدا له على مقتضى ما كان عليه الناس إبان ذاك . وقد جزع أبوه عليه جزعا شديدا ، وبكى لفقده ، وقد قال في ذلك شعرا جاء فيه :
بكيت على زيد وما أدرى ما فعل * أحي فيرجى أم أتى دونه الأجل
فوالله ما أدرى وإني لسائل * أغالك بعدى السهل أم غالك الجبل
ويا ليت شعري هل لك الدهر أوبة * فحسبى من الدنيا رجوعك لي بجل « 1 »
تذكرنيه الشمس عند طلوعها * وتعرض ذكراه إذا غربها أفل « 2 »
وإن هبت الأرواح هيجن ذكره * فياطول ما حزنى عليه وما وجل
سأعمل نص العيس في الأرض جاهدا * ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل « 3 »
حياتي أو تأتى على منيتي * فكل امرئ فان وإن غره الأمل « 4 »
أخذ يبحث عنه في طول بلاد العرب ، حتى عثر عليه عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قبل البعثة ، ومحمد بن عبد الله صلّى اللّه عليه وسلّم عدو الرق بفطرته لم يرد أن يحتجنه عنده غير مختار ، فخيره بين أبيه والمقام عنده ، وقال : إن شئت فأقم عندي ، وإن شئت فانطلق مع أبيك . ولكن الشاب قد اختار له ، فاختار أن يقيم مع محمد صلى الله عليه وسلم وهو يلمح نور النبوة عن الحرية مع أبيه واله ، ولكن أباه أخذ يلومه ، فقال له : « يا زيد تختار العبودية على أبيك وأمك » فقال ابن الكريم . « إني قد رأيت من هذا الرجل شيئا ، وما أنا بالذي أفارقه أبدا » . عند ذلك الوفاء أخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بيده ، وقام إلى الملأ من قريش ، فقال : اشهدوا أن هذا ابني وارثا ومورثا . رأى أبوه ذلك فطابت نفسه ، وكان يدعى زيد بن محمد ، فلما ألغى التبني وقال تعالى في المتبنين :
ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ
« 5 » .
هامش
( 1 ) بجل بمعني حسم أي حسم الشئ وأنهاه . ( 2 ) الأرواح جمع ريح ، والوجل الخوف . ( 3 ) النص السير الكثير الشديد . ( 4 ) الشعر في سيرة ابن هشام ج 1 ص 248 . ( 5 ) سورة الأحزاب : الآية 5 .