تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
يعيش في ذلك القلق والاضطراب تلك المدة الطويلة من غير أن يعرف له غاية ينتهى عندها ، وفوق ذلك ، فإن الاستعداد لأمر خطير لا يستمر تلك المدة الطويلة ، بل هي قد تحمل على النسيان بين اللقاءين ، وإن المصادر الأصلية ، والأحاديث لم تذكرها ، فلم يذكرها ابن إسحاق ، ولم يروها البخاري . ولقد قال السهيلي إن المدة سنتان ونصف ، وقيل إنها سنتان ، وقيل فيها مدد مختلفة أقلها ثلاثة أيام وأكثرها أربعون ، وقد روى أن ابن إسحاق جزم بأن الذين قالوا ثلاث سنين أو سنتين قولهم وهم . وإن الذين قالوا إنها ثلاث سنين استندوا إلى ما جاء في تاريخ الإمام أحمد ، ويعقوب بن سفيان عن الشعبي أنه قال : « الفترة وهو ابن أربعين سنة ، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين ، وكان يعلمه الكلمة » . وهذه الرواية لا نحسب أنها عالية مما يوجب الريب ، فأولا : نذكر أن إسرافيل هو الذي كان يعلمه في مدة ثلاث السنين ، ولم يثبت ذلك ، بل الثابت أنه من أول تلقى نور السماء اتصل به جبريل الأمين روح القدس ، وثانيا : أن الشعبي تابعي ولم يذكر من الذي نقل له هذا من الصحابة ، وقد أنكره كثير من الرواة ، فقد قال الواقدي إنه لم يكن من الملائكة من قام بالاتصال بالنبي عليه الصلاة والسلام إلا جبريل عليه السلام . وفي الجملة أنه بعد ذلك البيان نرى أن تقدير مدة الفترة بالسنين أيا كان مقدارها غير معقول ولا مقبول ، وليس له سند صحيح حتى يكون منقولا ، حجته النقل . وإنما الذي نعتقده أن المدة لابد أن تكون في دائرة الأشهر ، ولعلها خمسة أشهر وبعض ، على ما نشير من بعد . 201 - إلى هنا ذكرنا اللقاء الأول للوحي النبوي ، الذي أفاض الله به تعالى على محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، ولكن لا ننتهى من هذا الجزء ، وننتقل إلى ابتداء التبليغ ، والقيام بعبء الدعوة ، والجهاد في سبيلها ، من وقت أن صدع بأمرها ، قبل أن نحقق الأمر ، في ثلاثة أمور تحدث العلماء في أمرها : أولها : الشهر الذي نزل فيه الوحي ، أهو رمضان ، وهو ما ذكرته كتب السيرة وما رجحناه وانتهينا إليه ، وسقنا سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام الطاهرة عليه ، وكان يصح ألا نذكر سواه ، ولكن لم نرد أن نترك أمرا اختلف فيه العلماء من غير تمحيص ، وبيان الصادق منها ، وقد قيل إنه ربيع الأول ، وقيل إنه رجب ، فلابد من إزالة الشبه من حول الحق الصريح .