تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
وقد بلغ الشيخوخة فنضج فكره ، وقد جاءت إليه ابنة عمه خديجة بنت خويلد . وكان بصره قد كف ، قالت خديجة في هذا اللقاء : يا بن عم اسمع من ابن أخيك . فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام ورقة بما رأى وعاين . قال ورقة : هذا الناموس الذي كان ينزل على موسى ، يا ليتني كنت فيها جذعا ، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك ، قال محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم متعجبا ، كيف ينطق بالحق ، ويخرجوه ؟ قال : « أو مخرجى هم » . وتلك هي براءة الفطرة ، قبل أن يمرسه الله تعالى بشدائد الدعوة ، وقبل أن يلقى الباطل في طغواته بالحق في نوره . قال ورقة الذي علم أخبار النبيين ، وما لقوا من بأساء وضراء وشدائد : « نعم ( أي هم مخرجوك ) لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي ، وإن يدركني يومك هذا أنصرك نصرا مؤزرا » . إن هذه كلمة ورقة ، وهي ثمرة الدراسة المبينة لتجارب الأنبياء . وهنا قد يسأل سائل : لماذا ذكر موسى عليه السلام ، وهو التوراة ، ولم يذكر الإنجيل الذي نزل على عيسى عليه السلام ؟ والجواب عن ذلك أن التوراة كانت فيها شريعة قائمة عمل بها النبيون من بعد موسى عليه السلام ، . وجاء عيسى لإحيائها بعد أن أهمل اليهود تعاليمها ، ولم يطبقوها لغلظ رقابهم ، فجاء عيسى لإعلان حقائقها ، وروى عنه أنه قال : « جئت لإحياء الناموس » ، ولقد جاء النص في كتب النصارى أنه يؤخذ بشريعة التوراة ، ما لم يجيء نص في الإنجيل يخالفها . ولم يكتب الله تعالى للشيخ ورقة بن نوفل أن يحضر المعركة التي قامت بين الحق والباطل ، فلم يلبث أن توفى ولم يحضر الدعوة المحمدية ، إذ أنه قد مكث مدة ، حتى أمر محمد صلى الله عليه وسلم بتبليغ رسالة ربه ، وأن يصدع بما يؤمر .

فترة غياب روح القدس :

199 - علم النبي عليه الصلاة والسلام أنه يحمل تكليفا كبيرا ، وأنها منزلة كبيرة يعلو فيها بإنسانيته ، فأصبح المرهوب محبوبا مرغوبا ، بعد أن خشي من لقاء روح القدس ، جبريل عليه السلام ، صار يتمنى أن يلقاه . ليلقى أمر الله تعالى ، ويستجيب له ، ويحمل الأمانة التي اختاره الله تعالى لها . لقد كان يتوقع أنه سيراه بعد أن يعود إلى الغار ، لكنه لم يجيء إليه وفتر عنه ، فظن في نفسه الظنون ، ولعله ظن أن ما اعتراه من خوف في اللقاء الأول نحى تكليفه القيام برسالة ، ولقد كان حريصا على الاستجابة للدعوة إلى الحق ، والحريص على القيام بأمر يستعجله ، ويستبطيء غيابه ، ولعله خشي أن يكون ما أخبره به العالم الخبير ورقة بن نوفل لم يصادف الحق ، ولعله تكون الرؤيا التي رآها ، والمشاهدة التي عاينها