وبينا هي قلقة مضطربة لغيبته على غير عادة إذ هو مقبل قد تغير لونه ، يرجف فؤاده ، فزال قلقها ، وان استغربت حاله - وقالت :
يا أبا القاسم ، أين كنت ، فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك ، حتى بلغوا مكة المكرمة ورجعوا لي .
وقد حدثها بما رأى في رؤياه ، وما شاهد في عيانه ، وفؤاده يرجف وهو يقول : « زملوني » فزملوه حتى ذهب منه الروع ، وهو يقول « خشيت على نفسي » .
وعندئذ جاء دور الزوجة الرفيقة الصالحة في القول ، فقالت بمنطق الفطرة ، وهو أن من أحسن لا يجازى إلا إحسانا « كلا ، والله لا يخزيك الله أبدا ، إنك لتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتقرى الضيف ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم ، وتعين على نوائب الدهر » رأت في زوجها الأمين الطاهر كل هذا ، وبإحساس الفطرة ، رأت أنه لا يمكن أن يكون ثمر الطيب إلا طيبا . ويقول ابن إسحاق ، إنها قالت بعد أن علمت الخبر ، وقالت ما قالت : « أبشر يا بن عم ، وأثبت فو الذي نفس خديجة بيده ، إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة » وما قالت ذلك إلا وقد تواردت الأخبار بأن نبيا سيبعث في هذا الزمان .
إلى ورقة بن نوفل :
198 - لا أدرى أهي فرحة بما توقعته من خير عظيم يجيء لزوجها ونور عميم ينبثق من بيتها ، أم هي فرحة اللقاء دائما يدفع إلى الحركة ، ومهما يكن فقد وجدت منها رغبة إلى العمل في الموضوع الذي طرأ ، وتوقعت منه أن يغير مجرى حياتها ، قامت فجمعت ثيابها ، ثم انطلقت مع محمد بن عبد الله عليه أفضل السلام وأتم السلام إلى ورقة بن نوفل ، وكان من الحنفاء الذين هجروا عبادة الأوثان واختاروا أن يعبدوا الله .
واختار النصرانية ، إذ كان يعرف العبرانية ، فدرسها منها ، ودرس التوراة ، فعلم الديانتين من الينابيع الأصلية ، ويظهر أنه علمها ديانة واحدانية لا ديانة تثليث ، لأنه دخيل عليها ، ولأن نصرانية الشرق التي كانت في العراق وأطراف الجزيرة العربية كانت تتبع نسطورس الذي أنكر أن يكون المسيح إلها أو ابن الله ، إذ كان يعتقد أن عبارة الابن التي وردت في بعض كتبهم أضلتهم ، وإن ماضي حياته ما كانت تسمح لنا أن نقول أنه مثلث ، لأنه ترك عبادة أحجار لا تضر ولا تنفع ، فكيف يعتنق تثليثا غير متصور في العقل .
لقد بلغ علم الرجل بالعبرية أنه كان يكتب بها ويقرأ ويدرس ، فكان على علم بالبشارات التي جاءت في التوراة والإنجيل بالنبي عليه الصلاة والسلام . وهي تبشر برسول اسمه أحمد .