تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
هذه حقائق سائغة ، لا ريب فيها ، ولا اختلاف ، ولا تثير ريبا ولا خلافا . ولكن الروايات تجىء بما يفيد ظاهرها المعارضة بينها وبين ذلك الحق الصادق الذي لا ريب فيه ، ولا مجال للريب فيه ، ولنذكر بعض هذه الروايات لنبين أنه لا تعارض في حقيقة الأمر . لقد ثبت في الصحيحين البخاري ومسلم عن يحيى بن أبي كثير قال سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن : أي القران أنزل قبل غيره فقال : « يا أيها المدثر » فقلت : و
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
؟ فقال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : فنوديت فنظرت من بين يدي وخلفي وعن يميني وعن شمالي ، فلم أر شيئا ، ثم نظرت إلى السماء ، فإذا هو على العرش في الهواء ، فأخذتني رعدة ، أو قال وحشة ، فأتيت خديجة ، فأمرتهم فدثروني فأنزل
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنْذِرْ . وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ . وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ
وفي رواية أخرى ما يشير بأن هذه الآية ليست الأولى ، وليس ما فيها أن رؤية جبريل روح القدس الأولى ، فقد قالت : فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض « 1 » فجنبت منه فرقا - إلخ ، وهو ذكر لما تضمنه الضمير في الرواية الأولى التي تقول : « فإذا هو على العرش في الهواء » . وإن هذا يفيد بلا ريب أن الوحي جاء ابتداء في غار حراء ، وفيها نزل
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
ثم جاء ثانيا وليس أولا كما توهم أبو سلمة نزول الوحي « يا أيها المدثر » . وإن نظرة فاحصة تبين لنا أن أول القران الكريم نزولا هو اقرأ ، كما هو الأصل الذي لا مراء فيه ، ولكن فترة الوحي هي خمسة أشهر وبعض الشهر ، ثم جاء فيها الوحي :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ . . .
وقد انتهينا إلى أن الفترة ابتدأت بعد أن نزل قوله تعالى
اقْرَأْ
في رمضان من سنة 40 ه ، وانتهت الفترة في ربيع سنة 41 ه من عام الفيل . والحق أن الروايات غير متضاربة للمتأمل البصير ، فإن أول ما نزل بالقران الكريم لم يكن فيه الأمر بالتبليغ ، بل كان فيه اللقاء بروح القدس ، والإعلام بالقران الكريم ، ويمغزاه الأول ، وهو تعليم الخلق ، وبيان الحق ، وأنه كتاب الله تعالى ، يقرأ باسمه ويعرف به ذكره ، أما تكليف القيام بالتبليغ ، فقد جاء في قوله تعالي :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنْذِرْ . وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ
. وإلى هذا أشار ابن كثير ، فقال في الرواية التي جاءت في البخاري عن عبد الرحمن بن أبي سلمة : « لا ينفى هذا تقدم إيحاء جبريل إليه أولا :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . . .
ثم التقى به جبريل بعد نزول قوله تعالي :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنْذِرْ . وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ . وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ . وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ
، ثم حمى الوحي وتتابع - أي تدارك شيئا بعد شيء - وقام حينئذ رسول الله صلى الله تعالى
هامش
( 1 ) البداية والنهاية ج 3 ص 17 .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 280 | محمد ابو زهره