تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
واليهود في المدينة كانوا يذكرون ذلك متحدين به الوثنيين الذين يجاورونهم ، وكانوا يستفتحون به المشركين ، زاعمين أنه سينصره عليهم ، ويؤيد دينهم الذي يذكرون ذلك اخذيه من إشارات كتبهم . التي كانت مفسرة عندهم ، حتى صارت علما توارثوه عن أسلافهم ، وهو في مطوى التركة التي أخذوها عنهم ، مع أن اليهود عرفوا بأنهم يكتمون ما أنزل الله تعالى عليهم ليكون العلم حكرا عليهم ، ويمكنهم من أن يكذبوا على الناس مدعين أنهم أبناء الله تعالى وأحباؤه ، مع هذا يتناثر من أقوالهم ما يدل على أن نبيا من أبناء عمهم إسماعيل عليه السلام سيبعث . وإذا كانت الأثرة هي التي حملتهم على كتمان ما أنزل الله تعالى عن غيرهم ، فالأثرة أيضا هي التي حملتهم على التحدث بخبر النبي المنتظر المكتوب عندهم في التوراة ، لأنهم كانوا في حرب مع الأوس والخزرج الذين يجاورونهم ، فكانوا يذكرون أمر النبي لهم لا ليعلنوا الحقائق ، ولكن ليتغلبوا عليهم بما يسمى في عصرنا الحرب النفسية التي تقارن الحرب المادية ، لينالوا الفوز والغلب ، وليتم لهم التعالى عليهم ، وإعلان الاستهانة بهم ولإنذارهم بأن المستقبل معهم ، وفي ذلك إلقاء بالرعب . وقد حكى القران الكريم عنهم ذكرهم لمن كانوا يجاورونهم أمر النبي المنتظر ، فقال الله تعالى :
وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ، فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ . بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ، فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ، وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ
« 1 » . ولقد كانت نجران مملوءة بالنصارى ويظهر أنهم لم يكونوا كنصارى أوروبا في الماضي أو الحاضر ، بل كانت فيهم بقية من نصرانية المسيح ، ولقد كانوا بعد البعث المحمدي أقرب إلى المسلمين من اليهود والمشركين ، فقد قال تعالى فيهم :
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ، ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ . وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ، يَقُولُونَ : رَبَّنا آمَنَّا ، فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ . وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ ، وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ
« 2 » . كان ينبعث من بين هؤلاء صوت قوى يخبر بأن نبيا قد ان أوانه ، والناس يعيشون في زمانه ، ويظهر أنهم كانوا من بقايا المواحدين الذين لم يثلثوا ، فإنه على تعاقب الأزمان كان ثمة مواحدون ، وإن كانوا
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 89 ، 90 . ( 2 ) سورة المائدة : 82 - 84 .