فهذا النص يبين أن الله تعالى سيبعث من بعده رسولا هو أحمد ، يقوم بتبليغ رسالة ربه ، كما يقوم عيسى عليه السلام ، وأن شريعته باقية مع الدهر ، أي أنها خالدة لا شريعة بعدها ، وأن صاحبها هو خاتم النبيين .
والتعبير بالأب من تحريف النصارى لمعنى الله بعد أن غيروا وبدلوا فهو مأخوذ من الإنجيل بعد أن حرفت الديانة عن موضعها ، ومع ذلك فإن كثيرين كانوا يفسرون البنوة بأنها بنوة النعمة والمحبة ، كما يقول اليهود
نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ
« 1 » .
وقد جاء في الأناجيل بعد تحريف الديانة النصرانية « إن هذا القول الذي سمعتموه ليس هو لي بل للأب الذي أرسلني لكم بهذا ، وأنا معكم ، فأما البارقليط روح القدس الذي يرسل أبى باسمي ، فهو يعلمكم كل شيء ، ويذكركم جميع ما أقول لكم » .
ولعل الغرابة في أن تسمى رسالة محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام أنها باسم المسيح ، وأنها محرفة بلا ريب ، ومهما يكن فليس المراد بالاسمية أن تكون دعوة محمد صلى الله عليه وسلم صورة كاملة لدعوة المسيح ، إنما المراد الموافقة فيما يكون دعوة للمسيح بالواحدانية ، وأن دعوة محمد عليه الصلاة والسلام ، هي ما كان يدعو إليه ، وما يتفق مع قوله ، كما قال الله تعالى :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ، ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ، وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ، وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ . كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ
« 2 » وروى أن عيسى عليه السلام قال في « البارقليط الذي أرسل إليكم من عند أبي روح الحق الذي يخرج من الأب فهو يشهد لي ، وأنتم تشهدون لي أيضا لكينونتكم معي من أول أمرى » وهذا صريح في أن محمدا عليه الصلاة والسلام يشهد الكتاب الذي أنزل عليه وهو القران بأنه مصدق لما بين يديه من التوراة والإنجيل ، وقد سمى القران بحق روح الحق ، وقد سمى كذلك كما قال الله تعالى :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا
« 3 » .
وجاء في الأناجيل أيضا : « البارقليط لا يجيئكم ما لم أذهب ، فإذا جاء وبخ العالم على الخطيئة ، ولا يقول من تلقاء نفسه ، ولكنه يسمع ما يكلمهم به ، ويسوسهم بالحق ، ويخبرهم بالحوادث والغيوب « 4 » » .
هامش
( 1 ) سورة المائدة : 81 .
( 2 ) سورة الشورى : 13 .
( 3 ) راجع السيرة العطرة ونهاية الأرب ج 16 ص 110 ، وخير البشر . ر الآية من سورة الشوري : 52 .
( 4 ) نهاية الأرب ، والسيرة العطرة .