تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
ولما دخل قسطنطين إمبراطور روما في النصرانية في الثلث الأول من القرن الرابع ، كان ذلك سبيلا لسيطرة الانحراف فيها ، وانتقل الاضطهاد من النصارى إلى اليهود فأذيقوا من العذاب كئوسا وشربوا منه ، ثم جاء من بعد ذلك لون اخر من الاضطهاد ، ذلك أن كنيسة روما خالفت كنيسة مصر في بعض جزئيات عقائد النصرانية بعد أن انحرفت من الواحدانية إلى التثليث وانقلب الاضطهاد إلى داخل النصارى أنفسهم ، فكان منهم الملكانيون الذين تتمثل فيهم عقيدة روما ، واليعقوبيون الذين تتمثل فيهم عقيدة المصريين . وكان ذلك الاضطراب في العقيدة النصرانية التي حرفت ، ثم انتهاؤه إلى أمر غير معقول في ذاته ، من قيل أن المسيح ابن الله ، وأنه نزل إلى السماوات العلا حيث الله أبوه ، وتجسد إلى الأرض لتغفر خطيئة ادم لعصيانه ربه وأكله من الشجرة ، فكان غريبا أن يكون تكفيرا للمعصية الأولى بالأكل بمعصية أشد وأوغل ، هي قتلهم ولد الله في زعمهم ، والعقل لا يعلم ولا يدرك أن معصية أشد في حق الله تكون تكفيرا لمعصية أقل ، بل لخطأ جاء تضليلا من عدو أثيم . ومن غرائب تلك العقيدة أنها تحاول الجمع بين الواحدانية والتثليت فيصعب التصوير ، ولكن مع ذلك يصدقون على ريب من مفكريهم ، وتسليم من عوامهم . 174 - والعرب كانوا في حيرة أشد ، وإن كانت حياتهم لا تمكنهم من التأملات في العقائد ، ولعلهم لو تأملوا ، ولم يغلب الاتباع ، وقولهم
إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ ، وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ
« 1 » لكانوا قادرين على الوصول إلى الصواب ، أو على الأقل منهم من يصل ، كما فعل الحنفاء ، وأنهم كانوا قبل البعثة عددا محدودا . لقد كانت حياتهم مضطربة بين توحيد جزئي ، ووثنية جانبية ، لقد كانوا يتبعون إبراهيم ويعتقدون أن الله واحده هو خالق الكون ومنشئه ومدبره ، فاعترفوا بذلك بواحدانية الخلق والتكوين ، ولكن مع ذلك أشركوا معه في العبادة أحجارا لا تنفع ولا تضر ، يزعمون أن العبادة لها تجعل منها شفعاء يشفعون . ثم كانت البشائر بأن نبيا سيبعث كان يتردد في البلاد العربية ، كان يجرى على ألسنة بعض العرب ، كما يروى عن قس بن ساعدة الإيادى أنه ذكر في إحدى خطبه أن نبيا قد أدركهم زمانه ، وان أوانه . وأن البلاد العربية ، وخصوصا الحجاز كانت يتجاوب فيها ذكر احتمال رسول مبعوث ، تذاكره كثيرون ممن كانت لهم دراسات للديانات ، مثل ما جاء على لسان قس بن ساعدة الانف الذكر ، ولعله يوميء إلى أن له صلة بالنصرانية وخصوصا أنه ثبت في القران ، أن التبشير بالنبي محمد الأمى عليه الصلاة والسلام مذكور في التوراة والإنجيل ، كما قال الله تعالى :
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ
« 2 » .
هامش
( 1 ) سورة الزخرف : 23 . ( 2 ) سورة الأعراف : 157 .