تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
فقالت : رأيت رجلا ، ظاهر الوضاءة « 1 » حسن الخلق ، مليح الوجه ، لم تعبه ثلجة ، ولم تزر به صلعة ، قسيم وسيم ، في عينيه دعج ، وفي أشفاره وطف ، وفي صوته صحل ، أحور أكحل ، أزج أقرن في عنقه سطح ، وفي لحيته كثافة إذا صمت فعليه الوقار ، وإذا تكلم سما ، وعلاه البهاء ، حلو المنطق ، فصل لا نزر ولا هذر ، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن ، أبهى الناس وأجملهم من بعيد ، وأحلاهم وأحسنهم من قريب ، ربعة لا تشنؤه عين من طول ، ولا تقتحمه عين من قصر ، غصن بين غصنين « 2 » ، فهو أنضر الثلاثة منظرا ، وأحسنهم قدا ، له رفقاء يحفون به ، وإن قال استمعوا لقوله ، وإن أمر تبادروا إلى أمره محفود ، محشود ، لا عابس ولا مفند « 3 » . 164 - هذا وصف من رأوه ، وهو يدل على ثلاثة أمور :

[ أمور ]

أولها : جمال تكوينه الجسماني

، وكمال التنسيق بين أعضائه ، حتى أنه لو أراد مصور أن يضع صورة لرجل مكتمل الجسم ، منسق الخلق ، ما وجد خيرا من هذه الصورة التي يصورها من رأوها ، وكان لها روعة عند كل من رأوها ، يستوى في ذلك من خالفه وعانده ، ومن أطاعه وصدقه ، فهي صفات لها أثرها عند الناظر إليه ، وهي تزيدا لموافق تصديقا ، وتثير الحقد والحسد ، ومحبة الأذى عند من يعانده استكبارا ، فإن المكابر يزداد إعناتا ، كلما رأى عوامل التأييد لنقيض رأيه تزداد وضوحا وإعلاما ، وخصوصا إذا كان صدقا ثابتا بالمعاينة ، وليست خبرا يقبل الإنكار . وإن قريشا كانت تعلم فيه ذلك التكوين ، ولذلك لما أرادت أن تعوض أبا طالب عن ابن أخيه قدمت له أنهد فتى في قريش ، ولكن أنى يكون من محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم نور الإنسانية ورسولها .

الأمر الثاني - أن قلبه الطاهر كان يشع على وجهه بالنور

، فهو إذ يمشى يحف به النور الذي أضفاه الله تعالى عليه بتطهير قلبه ، وتنوير نفسه بالخير ، فكان كما قالت أم معبد « وضاء الجبين متلألئا بالنور ، من غير استكبار ولا استعلاء ، بل كان بين الناس متطامن النفس ، دان إليهم ، وهو فيهم كأحدهم ، لولا فضل الرسالة ، وما جعله الله تعالى له من مكان ليصل القول الطيب إلى أمته » .

الأمر الثالث - شدة جاذبيته صلى الله تعالى عليه وسلم

مع الهيبة التي تفرض قولها على الناس ، ومع كمال المحبة واستشراف النفس المحبة إليه ، أو النفس الخالية من ضغن أو حقد ، أو إعنات في المخالفة ، فإن النفس التي تكون على هذه الشاكلة توجد فيها مقاومة للتأثير النفسي الذي يتجه إلى البراءة ، وإنها
هامش
( 1 ) الوضاءة الجمال ، وأبلج الوجه معناه مشرق ، والثلجة كبر البطن ، والصعلة صغر الرأس ، والقسيم والوسيم من سلامة التكوين ، والدعج شدة سواد حبة العين ، والوطف طول رمش العينين ، والصحل بحة يسيرة تجعل للصوت تأثيرا . ( 2 ) غصنان هما الاثنان اللذان يحيطان به أبو بكر ، والدليل . ( 3 ) محفود أي مخدوم ، ومحشود معناه أن من معه يحيطون به ، ومعنى عير مفند لا يجابه غيره بالتخطئة والمخالفة .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 238 | محمد ابو زهره