تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
تكون مدنسة بالشر قد سكنها الشيطان وغلبت عليها وساوسه ، فالقلب لا يصدق ، ويكون ممن جحدوا بها ، واستيقنتها أنفسهم ، ولقد كان المشركون يعرفون قوة تأثيره الشخصية ، فوق ما معه من حق وبينات تثبت صدق ما يأتي ، ولذلك كانوا يسبقون إلى قبائل العرب ينفرونهم ، لكيلا يؤثر فيهم بشخصه وقوله ، وبينات الله تعالى التي أجراها على يديه ، ونزل بها الوحي الإلهى . ومع كبر ما صنعوا ، لم ينفر الناس من الاستماع إليه ، والانعطاف ، لأن الحق بين ، والحجة قائمة ، والداعي تنجذب إليه النفوس ، وتصغى إليه أفئدة طلاب الحق الذي لا يمتارون فيه إن وجه إليهم ودعوا إليه . 170 - وكان كل شيء في رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعلن قوته وجماله وكماله ، فكان في شكله الشاب وقد تجاوز الستين من عمره ، لم يكن فيه شيب . بل كان أسود الشعر ، حتى عد الذين خالطوه من صحب وخدم شعرات شيبه فذكروا أنه لم يشب في لحيته ورأسه إلا عشرون شعرة ، وعدها خادمه أنس رضي الله عنه بأنها إحدى عشرة ، حتى أنه كان يوصف بالشاب . وقد تجاوز الستين في أصح الروايات عن سنه ، وإذا كان تغيير في بعض شعره ظن خضابا فإنه لم يكن خضابا ، وإنما كان من كثرة ما يضمخ به شعره من مسك ، فقد كان يحب الطيب ، وقد روى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : « حبب إلى من دنياكم ثلاثة : النساء ، والطيب ، وجعلت قرة عيني في الصلاة » . ونرى أنه عليه الصلاة والسلام جعل الصلاة من الدنيا ، إذ وصفها مما حبب إليه من شؤون الدنيا ، لأن الصلاة مع جانبها الروحاني ، ومع أن فيها ذكر الله تعالى ، هي تصلح الدنيا ، لأن الصلاة تربى الضمير ، وترهف الوجدان ، فتنهى عن الفحشاء والمنكر ، وبذلك تصلح شؤون الدنيا والآخرة معا . وإنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان حريصا على الطيب يتطيب به دائما ، حتى أنه كان ينبعث عرف الطيب في مجلسه ، ولقائه ، وفي مظاهر حسه ، وكان إذا مس رأس طفل استمر العرف الطيب في رأسه ، وإنه ليعرف أن الرسول مر فلمس طفلا بالريح الطيب . ولا شك أن العرف الطيب تستروح به النفس ، ويقبل معها الجليس ، وتنجذب إليها النفوس ، وإن الرائحة الكريهة تنفر ، وتبعد . وكان عليه الصلاة والسلام يعنى بالنظافة في المظهر ، كما عنى بتطهير المخبر ، كان يعنى بنظافة الحس ، كما عنى بنظافة النفس ، ولنترك الكلمة للقاضي عياض يبين ذلك . . فقد قال : وأما نظافة جسمه وطيب ريحه وعرفه ، ونزاهته عن الأقذار ، وعورات الجسد ، فقد خصه الله تعالى بخصائص لم توجد في غيره ، ثم تممها بنظافة البشرة وخصال الفطرة وقال : « بنى الدين على النظافة . . » عن أنس خادم رسول الله « ما شممت عنبرا قط ، ولا مسكا ولا شيئا أطيب من ريح رسول الله