الأخمصين ، مسبح للقدمين ، ينبو عنهما الماء . إذ زال تعلقا « 1 » ، ويخطو تكفؤا ، ويمشي هونا ، ذريع المشية ، إذا مشى كأنما ينحط من صبب ، وإذا التفت التفت جميعا ، خافض الطرف ، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء ، جل نظره الملاحظة ، يسوق أصحابه ، ويبدأ من لقيه بالسلام » .
وإن هذا يدل على الجمال والكمال ، جمال الرجولة ، وكمال الإنسان ، فكل ما فيه يسترعى الأنظار ، ولا تنصرف عنه ، ولذلك من لقيه ممن هو خالى الذهن ، لا يتجه اليه بحقد أو حسد ، أو ضغن يلتفت إليه ، ويجد فيه مثلا كاملا للرجل ، ومكانة عالية في الخلق ، والإشعار بالمودة ، فهو لا يتقدم مباهيا ، ولا يسبق معتزا ، ولكن يسير وراءه متواضعا ، متطامنا ، ويلقى السلام على كل من يلقاه إشعارا له بالمودة والمحبة ، حتى لا تسبق الجهامة ، والمنافرة ، فهو جميل التكوين والتنسيق في جسمه مرضى اللقاء ، بل محبوب اللقاء في خلقه ، وما قام بينه وبين أحد في الجاهلية عداء ، ولا كانت شحناء بينه وبين أحد منهم ، ولا ملاحاة في عصبية أو ما يشبهها من المشادات الجاهلية ، بل كان الأليف المألوف ، القريب إلى النفوس خصوصا النفوس المستقيمة التي لا التواء فيها ولا منافرة .
وذلك فوق ما خصه الله تعالى به من جاذبية شديدة تعلن الطيبة ، وتكشف عن خبيئة نفسه الطاهرة المسالمة التي لا تنافر ولا تغاضب ، ولا تصخب .
ولنقرأ وصفا ، لامرأة مر عليها عابرا في هجرته من مكة إلى المدينة ، فقد قالت واصفة له . وقد سئلت عنه أم معبد :
لقد مر محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم ومعه أبو بكر الصديق رضى الله تعالى عنه ، ومولاه عامر بن فهيرة ودليلهم عبد الله بن أريقط الديلمي ، فسألوها هل عندها لبن أو لحم يشترونه منها ، فلم يجدوا عندها شيئا ، وقالت : لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القري ، وكانوا ممحلين ، فنظر عليه الصلاة والسلام إلى شاة في كسر خيمتها فقال ما هذه الشاة يا أم معبد ، فقالت : نحلها « 2 » الجهد ، فقال عليه الصلاة والسلام أنأذنين لي أن أحلبها ، فقالت إن كان بها حلب فاحلبها ، فدعا بالشاة فمسحها ، وذكر اسم الله ، فكان في حلبه منها ما كفاهم أجمعين ، ثم حلبها ، وترك عندها إناءها ملان . فلما جاء بعلها استنكر اللبن ، وقال : من أين لك هذا يا أم معبد ، ولا حلوبة في البيت والشاء عازب ! ! .
فقالت : لا ، والله مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت ، فقال صفيه ، فوالله إني لأراه صاحب قريش الذي تطلب ! ! .
هامش
( 1 ) التقلع ، رفع الرجل بقوة ، والتكفؤ ، التزام طريقة الشئ ، والقصد فيه ، والهون الرفق .
( 2 ) المحل الجدب ، ونحل يعنى ضعف وهزل .