المشهور المستفيض ، وكأنه وصف جسدي معلم للرسالة ، لا يمارى فيه من راه ، ولله تعالى آيات في خلقه .
تقدمة صفات النبي صلّى اللّه عليه وسلّم .
172 - المنهاج الذي يسلكه الكتاب في السيرة العطرة ، سيرة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم أن يكتبوا صفاته صلى الله تعالى عليه وسلم في اخر سيرته الطاهرة ، فلا يكتبوها قبل البعثة المباركة ، ولكن يكتبونها بعد أن بلغ الرسالة ، ومضى إلى لقائه الكريم .
ونحن قد اخترنا أن نكتب تلك الصفات قبل تكليفه أداء الرسالة ، لأنا رأينا - ونرجو من الله التوفيق أن نكتبها قبل البعثة ، ليعلم القارئ من الذي كلفه الله أداء الرسالة ، ومن الذي اختاره ليكون بشيرا ونذيرا للناس كافة عربهم وعجمهم ، وليعلم الناس أنه لم يكن في مجموع صفاته وكمالاته كسائر الناس ، وإن كان من الناس ، وأنه ليس ككل واحد من البشر بجموع أخلاقه وتكوينه ؛ وإن كان منهم ، فهو من الناس ، ولكنه في أعلى كمال الناس ، وإذا كان ليس من الملائكة ، فهو أعلى من الملائكة ، أليق بالرسالة ، وأجدر بها من الخلق أجمعين .
وإنه بعد معرفة هذه الصفات وتعرفها ، وانفراده بها من بين جيله ، بل من بين الأجيال كلها ، لا يستطيع أحد أن يقول : لماذا اختاره ربه دون عمرو بن هشام ( أبى جهل ) أو دون عمر بن الخطاب وهو من الأبرار ، أو دون الصديق ، وهو من الأطهار ، أو دون علي ، وهو من الأشداء الأبذال ، لا يستطيع أحد أن يسأل : لم اختير دون هؤلاء أو غيرهم ، لأن هذه الصفات الخلقية والجسمية لم تكن لأحد من هؤلاء ، ولا من غيرهم ، ولم يكن ذلك الإشراق المتلأليء الوضاء في واحد منهم ولا من غيرهم ، ولم يعرف لأحد من الناس الكمال في الأخلاق إلا محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم .
وإذا كانت تلك الصفات ، وما اتاه الله تعالى من فضل ، وما اختصه من رحمة هي التي جعلته مستأهلا لأن يحمل أمانة الرسالة دون غيره ، فإنها تكون مقدمة للرسالة ، ولا تكون نتيجة لها ، والمقدمة بمقتضى المنطق والعقل تسبق النتيجة ، وتمهد لها ، والتمهيد لا يكون بعد المقصد ، بل إنه يرشح له ، وينيره ، ويهدى إليه .
وقد يقول قائل : إنك في سبيل بيان صفاته الكريمة قد أتيت بأخبار عنها من بعد بعثه ، واستشهدت له بعد إرساله رحمة للعالمين ، وبذلك تقع فيما خالفته ، وهو أنك ذكرت الصفات بعد البعثة ، وموضعها قبلها على ما ذكرت من منطق ! !