الشيطان ، إن ضبط النفس أقوى مظاهر الصبر ، والناظر إلى حياة محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام يراه منذ نشأته إلى بلوغه سن الشباب ، إلى اكتمال رجولته يرى فيه إصرارا على خلق واحد ، وعقيدة واحدة ، يتزلزل كل شيء حوله ، ولا يتزلزل ، ولا يكون ذلك إلا من صبور .
لا تغريه جدة ، ولا يجزعه فقر ، لا يدفعه التكاثر حول تقديس الأوثان إلى الميل نحوها ، ولا يحرضه التقليد للأقوياء على أن يخضع لصنم أو يقر له بسلطان ، بل يدافع الاعتقاد في الأصنام ، يدافعه في نفسه ، ويدافعه في مجتمعه ، ويدافعه في كل مظاهر حياته ، غير متجانف لإثم ، ولا راض عمن يخضعون به .
إن كل ذلك يحتاج إلى ضبط نفس ، وضبط فكر ، واستقامة نظر ، وصبر عميق يتغلغل في أطواء النفس ، وثنايا الفؤاد ، وكل هذا لا يكون إلا من صابر مصابر ، يغالب الأحداث بالصبر ، ويغالب الأعداء بعدم الفزع ، إن الصبر أقسام يختلف كل قسم باختلاف موضوعه ، والصدمات التي يلقاها الصبور .
[ أقسام الصبر ]
أولها - الصبر على النوازل
تنزل به ، ومن نوازله نازلة الفقر ، لا ترمض نفسه به ، ولا يذل ، ولا يخنع لذل الحاجة ، بل يرضى بالقليل صابرا ساعيا جادا في جلد ودأب حتى يمنعه الفقر من أن يتسرب لنفسه بالإحساس بالذل ، أو بأن تذهب قوى النفس شعاعا من الاحتياج ، وإن ذلك النوع من الصبر كان في النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فما ظهر منه ذل الاحتياج ، بل كان حتى عندما تمد موائد الطعام ، لا يكون أول من يمد ولا أكثر الغلمان تزاحما فيه ، ولا تسابقا إليه ، بل كان حريصا على ألا يفعل ، ولو فاته الطعام .
القسم الثاني : الصبر على الحرمان من الأهواء والشهوات وقمعها .
وعلى دفع الخواطر الفاسدة ، وعلى مقاومة ما تدعو إليه أحوال عبدة الأوثان لتحريم أمور حلال كتحريم السائبة والوصيلة والحامي ، وكاستباحة المختنقة والموقوذة والنطيحة ، وما كان منه شرب الخمر ، وملاعبة بالميسر ، واستقسام بالأزلام ، فكل ذلك امتنع عنه محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام ، قبل أن يبعثه الله تعالى ، وذلك من تحصين نفسه بالصبر ، وما منحه الله تعالى من قوة احتمال .
القسم الثالث : الصبر على ما ينزل من نوازل
، وقد جاء محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في الحياة ليكون صبورا وشكورا .
أول ما أدرك الحياة مميزا ماتت أمه وحملته حاضنته الحبشية إلى جده ، ثم لم يلبث أن فقد الجد ، وقد بلغ سن التمييز الذي يعرف الحامي ، وانتقل إلى بيت عمه ، وكان محدود الرزق كثير العيال ، فتعلم كيف يكون الصبر حيث التزاحم ، فما كان يمد يده في زحمة الغلمان على الطعام .