ولقد كانت شكواهن من أن محمدا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم قد أخذهن بما أخذ به نفسه ، وإن كان أخف ولكنه في كلتا الحالتين دعا ربه أن يكون رزق ال محمد صلّى اللّه عليه وسلّم قوتا ، لا يتجاوزه إلى رافغ الحياة وفاكهها ، ولذلك حلف بما حلف تأديبا وتجربة ، ومحبة أيضا ، وبعد أن مضى الشهر الذي حلف ألا يقربهن فيه ، لم يعد إليهن إلا بعد تخيير صريح يقبلن فيه أن يكون رزقهن قوتا لا نعيم فيه ، إلا بالحلال ، وبين أن يسرخهن بالمعروف ، وذلك بأمر صريح من الله سبحانه وتعالى إذ قال سبحانه :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها ، فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ ، وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا . وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ ، فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً . يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ ، وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً . وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً ، نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ ، وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً . يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ ، إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ ، فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً . وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً . وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ، إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً
« 1 » .
نفذ محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه أمر ربه بالتخيير ليخترن ، وابتدأ بأحب نسائه إليه ابنة صديقه وصفيه أبى بكر الصديق رضي الله عنه ، عائشة ، فقال لها : إني ذاكر أمرا ، فلا عليك أن تعجلي حتى تستأمري أبويك ، وتلا عليها هذه الآيات فقالت : أفي هذا أستأمر أبوىّ ، فإني أختار الله ورسوله والدار الآخرة ، وكذلك قال سائر أزواجه عليه الصلاة والسلام ، وبذلك اخترن عيشة النبي عليه الصلاة والسلام الزاهدة ، فكن جديرات بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم خاتم النبيين ، وسيد الزاهدين .
الصابر المصابر
156 - إن نشأة محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام الأولى من شأنها أن تربى فيه خصلة الصبر ، وحاله في شبابه الباكر تربى فيه الصبر واستمساكه بالفضائل في وسط الرذائل التي كانت تكثر في قومه لا يقوى عليه إلا بالصبر وضبط النفس ، واجتنابه للأهواء والشهوات التي كانت تسيطر في مكة ، لا يقوى عليه إلا الصابر الذي يقمع دواعي الشهوات بين جنبيه ، ويقذعها عن متابعة الأهواء ومنازع
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب : 28 - 34 .