ولم يكن عليه الصلاة والسلام يدخر لغده شيئا يسارع إليه الفساد ، وقد روى الإمام أحمد أنه أهديت لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم هدية فأطعم خادمه طائرا ، والظاهر أنه أكل هو طائرا ، وبقي طائر ، فلما جاء الغد أتى به ، فقال لأنس خادمه : « ألم أنهك أن تبقى شيئا لغد » .
ولما أفاء الله على رسوله نخيل بنى النضير ، كان يدخر منها فكان يعزل لأهله من تمرها ، ما يكفى سنة ، ثم يكون الباقي مما ينفق في الخيل والجمال مما يعد للحرب ، وفي السلاح الباقي ، صلى الله تعالى عليه وسلم .
وكان عليه الصلاة والسلام لا يدخر ذهبا ولا فضة حتى أنه كان وهو مريض مرض الموت عنده سبعة دنانير أو ستة ، فما زال بأهله حتى تخلص منها . وروى أنه كان له في مرض موته قطعة ذهب صغيرة عبروا عنها بأنها ذهبية ، فتصدق بها رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، حتى يخرج من الدنيا ، وليس له شيء ، ولا عليه شيء ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام : « نحن معشر الأنبياء لا نورث » .
155 - كان ال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم من أزواجه يحملهن ما يحتمل ، لأنهن اله ، والسعة عليهن قد تعود بالسعة عليه ، فسدا للذريعة كن يتحملن ما يتحمل .
ولكن يظهر أنهن طالبنه مرة بما ليس عنده ، وضاق بهن ذرعا ، فإلى عليهن بأن حلف ألا يدخل عليهن شهرا ، واعتزل عنهن ، وسكن علية من داره ، فدخل عليه عمر ، وإذا هو مضطجع على حصير ، قد أثر في جسمه عليه الصلاة والسلام ، فهملت عينا عمر ، فقال عليه الصلاة والسلام : مالك ، فقال :
أنت صفوة الله تعالى من خلقه وكسرى وقيصر فيما هما عليه ، فجلس عليه الصلاة والسلام محمرا وجهه فقال : « أو في شك أنت يا ابن الخطاب ، أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا ، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ، ولنا الآخرة »
وقد عتب الله تعالى على نبيه أن حرم عليه أزواجه شهرا ، فقال تعالي :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ ، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً ، فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ، عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ، فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ . إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ، وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ ، وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ .
عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً « 1 » .
هامش
( 1 ) سورة التحريم : 1 - 5 .