وكان يستخدم كل خبرته التجارية التي أفادها من بيئة مكة التجارية ، ولكنه ما كان يفعل ذلك لنفسه ولا لزوجه ، ولكن ليعطى هو وهي الفقراء والضعفاء كسبهما الطيب الذي لا خبث فيه .
لقد ذكر عن عيسى عليه السلام الزهادة في المال ، وأنه لم يعمل على كسبه ، بل تجرد منه ، ومحمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يعيش ويكسب ويتجر في صدر حياته ليحصل على المال ، وينفق ما حصل عليه على الضعفاء ، فهو قد سخر نفسه عاملا . . .
وفي كل فضل ، ولكن زهادة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم إيجابية ، إذ أنها تكسب المال من الكسب الطيب ، وذلك الكسب فيه نفع عام ، لأنه إما زرع يأكل منه الإنسان ، وإما عمل وكدح ينمى ثروة الجماعة ، وإما نقل خيرات الأرض التي تفيض من إقليم إلى إقليم اخر بالتجارة ، وفي ذلك نفع عميم .
ثم إن الكسب لا يبقى في يد الجواد ، بل يفيض به على غيره ، فهي زهادة إيجابية كادحة عاملة .
الشفقة والرأفة والرحمة :
141 - وصف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بأنه رؤوف رحيم ، والرأفة والشفقة متقاربتان في المؤدى ، وقد قال تعالى في ذلك الوصف :
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ ، حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
« 1 » ، وقال تعالى
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
« 2 »
ونحن فيما كتبنا من بحوث تتصل بهذا المقام قررنا أن الرحمة تكون اثارها عامة ، وقد أشار إلى ذلك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فقد كان صلى الله تعالى عليه وسلم يكثر من الحث على الرحمة ، فقال بعض أصحابه : « يا رسول الله أكثرت من ذكر الرحمة ونحن نرحم أزواجنا وذرياتنا . فقال عليه الصلاة والسلام « ما هذا أريد ، إنما أريد الرحمة بالكافة » .
والشفقة وأختها الرأفة تكون في النواحي الخاصة ، والنبي عليه الصلاة والسلام كان فيه الرحمة بالكافة ، وكان فيه الرأفة الخاصة ما لم تتعارض مع الرحمة بالكافة ، وذلك يكون في الرأفة بالاثمين الظالمين الذين يرتكبون ما يوجب حدا من حدود الله ، ولذلك يقول سبحانه وتعالى :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ، وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
« 3 » .
هامش
( 1 ) سورة التوبة : 128
( 2 ) سورة الأنبياء : 107
( 3 ) سورة النور : 2 .