ولقد كان وهو يبكى يقول : « الموت حق . وإن القلب ليحزن ، والعين لتدمع ، وإنا لفراقك يا إبراهيم المحزونون » وفي هذا اليوم كسفت الشمس ، فقال المحبون ، إن الشمس كسفت لإبراهيم ، ولكن نبي العقيدة الصحيحة البعيدة عن الأوهام ، نسي حزنه ، أو غلب واجبه على حزنه ، كما هو شأنه دائما ، فوقف خطيبا ، وقال صلوات الله وسلامه عليه .
« إن الشمس والقمر ايتان من آيات الله لا تكسفان لموت أحد ، ولا لحياة أحد » .
وأم الناس ، وصلى بهم صلاة الكسوف .
وهكذا كان محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم الشفيق الرفيق الودود المحب دائما ، ولكن عاطفته الإنسانية لا تتغلب على واجبه ، بل الواجب أولي ، وأحرى بأن يؤثره على غيره .
وإن شفقته تعم ، فتكون رحمة ، لا تختص بالآحاد ، بل أحيانا يغضب ولا يغضب إلا للحق ، ولكن قلبه التقى الخالي من كل سوء بالناس ، تغلب عليه الرحمة العامة دائما ، فيقول في ضراعة لربه الرحيم :
« اللهم إني بشر من البشر ، أغضب كما يغضب البشر ، فأيما رجل دعوت عليه ، فاجعل ذلك له زكاة ورحمة ، وصلاة وطهورا ، وقربة تقربه إليك ، يوم القيامة » .
وإن مظاهر حياته كلها شفقة ، فامرأة في عقلها شيء يقف معها في جانب من الطريق يستمع إلى حاجتها ، ويلقى في قلبها الطمأنينة .
وجارية يضيع منها ثمن دقيق ، فيدفعه لها ، وتبكى خشية أن يضربها مالكوها ، فيسير معها إليهم ليمنعهم من ضربها ، وأحد السبطين يركب على ظهره ، وهو ساجد ، فيطيل السجود ، حتى لا يزعجه ، ويستمر مرتحلا ظهر جده الرؤف الرحيم ، حتى يتركه .
وكان يسمع بكاء الطفل وهو يصلى فيخفف في صلاته ، ليكون بجوار الطفل من يرحم بكاءه ، وهكذا . وقد يقول قائل : إن شفقة النبي عليه الصلاة والسلام أمر ثابت ، وهل لهذه الشفقة صلة بالرسالة ، وولايته لأمر المؤمنين .
إن شفقة المسيح عليه السلام كانت لروحانيته ، وأنه لم يكن منشيء دولة .
ونقول في الإجابة عن ذلك : إن عيسى عليه السلام كان صاحب رسالة ، وكان من مقتضى هذه الرسالة أن يكون بالذين يدعوهم رؤوفا ، فالشفقة من مقتضيات الرسالة والدعوة فإن الدعوة من الشفيق الرفيق تكون مستجابة من القلوب الطيبة المؤمنة المطمئنة ؟ إن الرحمة هي التي تجذب الناس إلى الداعي ، وليست القسوة ، إن النفوس التي تدعى إلى الحق منها ما يفتح الله قلبه للحق بقوة إيمان الداعي وشفقته ،
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 196
مساهمون: محمد ابو زهره
ص١٩٦