تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
ولقد ذكر ابن عباس فقال : « كان أجود الناس بالخير ، وأجود ما يكون في شهر رمضان ، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة » . فالجود صفة ملازمة له تعلو ولا تنزل ، تعلو في رمضان ، ويسمو علوها في العشر الأخيرة من رمضان عندما يذاكره جبريل القران . وقد كان الجود خلقه قبل البعث ، كما استمر من بعد البعث ، إذ كل شيء فيه قد ازداد خيرا ، ولقد قالت له خديجة رضي الله عنها : « إنك تحمل الكل ، وتكسب المعدوم » . وقد جاء في كتاب الشفاء أنه رد على هوازن سباياها ، وكانت ستة آلاف ، وأعطى إليه العباس من الذهب ما لم يطق حمله ، وحمل إليه تسعون ألف درهم ، فوضعت على حصير ، ثم قام إليها فقسمها . فكان من كرمه صلى الله تعالى عليه وسلم أن يوزع كل ما يجيء إليه من غنائم ، ولا يبقى منها لنفسه شيئا ، إلا ما يكفيه . وما كان يرد طالب حاجة قط ، حتى كان يبلغ به الجود ( أن يجود بالموجود كله ) بل إنه إذا لم يكن الوجود حمل عبء الدين ليسد الحاجات ، جاءه رجل يسأله حاجة ، فقال : ما عندي شئ ، ولكن ابتع على ، فإذا جاءنا شيء قضيناه . ولقد قال عمر رضى الله تعالى عنه ، وقد رأى محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم يتحمل ثمن البياعات ، ليؤديه إذا لم يكن معه - قال له : « ما كلفك الله تعالى ما لا تقدر عليه » فكره النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من صاحبه ووزيره عمر الفاروق ذلك ، لأنه لا يريد أن يحول أحد بينه وبين سجيته التي فطره الله تعالى عليها ، والتي جعلته فوق الكرماء والأجواد . ولقد لاحظ ذلك أنصارى كان في حضرة الرسول وصاحبه فقال يا رسول الله ، أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا ، فتبسم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد إذ كره ، وعرف البشر في وجهه ، وقال : بهذا أمرت . وذكر الخبر الترمذي . ولقد كان جوده من فرط اعتماده على الله تعالى مع اتخاذ الأسباب ، ولأنه يؤثر على نفسه ، ولأنه حمل نفسه سد حاجة أي محتاج ، فهو جود من قبيل تحمل الأعباء ، لا من قبيل السخاء المجرد ، لقد قال عليه الصلاة والسلام ، وصدق فعله قوله « من ترك مالا فلورثته ، ومن ترك عيالا فإلىّ وعلىّ » . فمال الناس لأنفسهم إلا ما يفرض من زكوات عليهم ، وأما الذين لا يستطيعون أن يعولوا أنفسهم ، فهم يكونون في عياله ، وعليه واحده تحمل أعبائهم ، ذلك أن الفقراء عيال الله ، ويحملهم رسول الله . يقول أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم . « كان رسول الله لا يدخر شيئا » .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 191 | محمد ابو زهره