وإنه عليه الصلاة والسلام كان يعالج النفوس الشاردة بالرأفة التي تؤنس هذه النفوس ، فتقرب بعدها ، وتستأنس بعد جفوتها .
ويروى في ذلك أن أعرابيا جاء يطلب منه شيئا ، فأعطاه ، ثم قال له أأحسنت إليك ؟ قال الأعرابي :
ولا أجملت . فغضب الحاضرون من المسلمين ، وقاموا إليه ، فأشار الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم إليهم أن كفوا ، ثم قام عليه الصلاة والسلام ودخل منزله ، وأرسل صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الرجل ، وزاد شيئا ، ثم قال : أأحسنت إليك ؟ قال : نعم فجزاك الله تعالى من أهل وعشيرة خيرا ، فقال عليه الصلاة والسلام : إنك قلت ما قلت ، وفي نفس أصحابي من ذلك شيء ، فإن أحببت ، فقل أمامهم ما قلته بين يدي ، حتى يذهب ما في صدورهم عليك . قال : نعم ، فلما كان الغد أو العشى جاء فقال صلى الله تعالى عليه وسلم : « إن هذا الأعرابي قال ما قال فزدناه ، فزعم أنه رضى بذلك ، قال الأعرابي نعم فجزاك الله تعالى من أهل وعشيرة خيرا » . فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم « مثلي ومثل هذا مثل رجل له ناقة شردت عليه ، فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورا ، فناداهم صاحبها : خلوا بيني وبين ناقتي ، فإني أرفق بها منكم وأعلم ، فتوجه لها بين يديها ، فأخذها من قمام الأرض ، فردها حتى جاءت إليه ، واستناخت ، وشد عليها رحلها ، واستوى عليه . وإني لو تركتكم ، حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار » « 1 » .
إن ذلك الحديث ، ينبيء عن حكمة الدعوة والإرشاد والهداية إلى الحق ، يقرب الشارد ، ولا يعاقبه ، يدنيه إلى الحق ، ولا يهلكه ، وإنه يسوس النفوس ويتجه إلى الجادة من غير عنف .
وفيه الشفقة الكاملة ، وأنها علاج النفوس ، وليس العنف علاجا ، ولكنه قمع في غلظة ، وقد يؤدى إلى الإصرار على الشر ، والامتناع عن الخروج عن دائرته .
وفي ذلك كمال التبليغ للرسالة الإلهية ، وتعليم الراعي كيف يسوس الرعية ، ويأخذها إلى مواطن الحق ، وحمايته .
وإن شفقته الشخصية على المتصلين به لتبدو في معاملته لأهله من أزواج وأقارب سواء أكانوا أقربين أم كانوا غير ذلك ممن لهم رحم موصولة .
ولقد امتنع عليه النوم عندما أسر عمه العباس بن عبد المطلب في غزوة بدر ، فكان يبكى لأنينه ، وهنا في هذه القضية ، يبدو أمران يظهران متناقضين - أولهما - ألمه لأن عمه وحبيبه العباس قد أسر ، ويذوق مرارة الأسر يشفق عليه ، ويشتد الأسى عليه - وثانيهما - العدالة المقررة الثابتة التي تسوى بين الناس في النتائج ، إذا تساووا في الأسباب الموجبة لهذه النتائج المؤدية إليها ، وإن الجمع بين دواعي الشفقة ، وموجبات العدل عسير على محمد عليه الصلاة والسلام .
هامش
( 1 ) الشفاء : ج 1 ص 72 .