تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
وثانيا : تتبعه ليعرف ماذا أجدى الصفح الجميل ، وعلاج شماس النفوس بالتسامح والتساهل ، والإخاء من غير إعنات ولا استكراه في إغلاق وإغضاب ، أو مغاضبة . وثالثا : لم يكتف بألا يغضب ، بل إنه يداعبه مع ذلك ، فيقبض عليه من قفاه ، ثم يناديه مداعبا ضاحكا يا أنيس ، يد لله بتصغيره ، وهو الذي عانده ، ورد إرادته . ثم يقول معلنا انتصار السماحة والعفو ، وعدم المؤاخذة على ظواهر الأفعال « ذهبت حيث أمرتك » هذا كمال النبوة وخلق النبي الذي يدعو النفوس الشاردة فيروضها على الحق ، ويؤنسها في عفو وسماحة ، وصفح جميل ، بل إن الإشارة لا تعلو قط ، حتى تكون أمرا . وقال أنس هذا « كنت أمشى مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وعليه برد غليظ الحاشية ، فأدركه أعرابي فجبذ بردائه جبذا شديدا ، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم . فإذا به قد أثرت فيه حاشية البرد من شدة جبذته ، ثم قال : « يا محمد مر لي من مال الله تعالى الذي عندك » فالتفت إليه رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فضحك ، ثم أمر له بعطاء » . وإن هذه السماحة ، وذلك العفو خلقه قبل البعثة ، وكان خلقه عندما اشتد الأذى ، فهو يعالج عنف قريش بالرفق في القول ، ويعالج الإيذاء بالصفح الجميل ، الذي لا يمن به ، ولكنه يهدى به من شاء الله تعالى ، ولو لم يكن العفو أساسا ، لطلب من الله تعالى كما قال تعالى عن نبيه نوح :
رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ ، دَيَّاراً . إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً
« 1 » ولكن الله فضل بعض النبيين على بعض ، ولكل أمة رسول تكون أخلاقه على ما يكون سبيلا لهدايتها ولإرشادها . روى أنه لما كذبت قريش النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وبالغت في الأذى ، ولما لجأ إلى ثقيف في الطائف وأغروا سفهاءهم . أتاه جبريل عليه السلام فقال له : « إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك ، وما ردوا به عليك ، وقد أمر ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم - فناداه ملك الجبال وسلم عليه وقال : مرني بما شئت ، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ( الجبلين اللذين يحيطان بمكة المكرمة ) قال النبي السمح الكريم « الهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون » . وذكر ابن المنكدر أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم : « إن الله تعالى أمر السماء والأرض والجبال أن تطيعك ، قال : أؤخر عن أمتي ، فلعل الله تعالى أن يتوب عليهم » . وإن سماحته عليه الصلاة والسلام وعفوه ليبدوان في عفوه عمن عادوه واذوه وقاتلوه ، ولم يتركوا بابا من أبواب الأذى والقتل والقتال إلا سلكوه ، وما تركوا كيدا إلا كادوه له ، ثم ال الأمر إلى أن ينتصر عليهم نصرا مؤزرا .
هامش
( 1 ) سورة نوح : 26 ، 27 .