تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
على إرضاء النفس الجماعية ما لم يكن إثما ، وهناك صفات تلتبس مع الحياء . أو يبدو بادي الرأي أنها تعارضه . فقد ظن بعض الناس أن الحياء ضعف نفسي ، وأنه قد يكون السكوت فيه نوع من الرياء ، وذلك باطل ، لأن الحياء الحقيقي ليس ضعفا ، ولا ينشأ عن ضعف ، إنما ينشأ عن الكمال لأن من عنده الحياء لا يحب أن يظهر منه إلا ما هو كامل ذاته ، وألا يظهر منه ما هو مرذول في ذاته أو يعده الناس مرذولا ، وذلك ليس ضعفا ، ولكنه نقاء وصفاء للمجتمع من أن ترنقه مظاهر الانخلاع من القيود الاجتماعية ، والتحلل من الروابط الإنسانية التي تربط الآحاد ربطا نفسيا . والشجاعة والحياء يتلاقيان ، بل إن تلاقيهما هو ذروة الكمال ، فإن قول الحق في موضعه ، وفي وقته المناسب يتلاءم مع الحياء ، والسكوت عن النطق بالحق في وقت الحاجة إليه ، لا يعد حياء ، بل إنه استخذاء ، والحياء حماية للفضيلة ، وتضييق على الرذيلة من أن تظهر ، وإذا كان للحياء أثر في شجاعة قول الحق ، فإنه يحمل القائل على الدعوة إليه في رفق من غير عنف ، فيكون أجدى ، وأشد تثبيتا ، وأهدى سبيلا ، وإن اقتضى الحق مجاهرة به تأخذ وصف القوة ، لا يمنعها الحياء . ولا يظن أحد أن في الحياء رياء ، إنما الحياء ألا تنطق إلا بالحق ، أو لا تغمطه ، أو تغمض العين على الباطل ، إنما الحياء يمكن صاحبه من أن يسوس الحق سياسة المستمسك من غير هوادة إلا أن تكون رفقا . ولقد ذكر القاضي عياض في الشفاء في بيان الحياء : وأما الحياء والإغضاء ، فالحياء رقة تعترى وجه الإنسان ، عند فعل يتوقع كراهيته ، أو ما يكون تركه خيرا من فعله ، والإغضاء هو التغافل عما يكره الإنسان بطبيعته ، وكان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أشد الناس حياء ، وأكثرهم عن العورات إغضاء . قال الله تعالى
إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ ، فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ . .
« 1 » الآية . . . عن أبي سعيد الخدري رضى الله تعالى عنه قال : « كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها » « 2 » وإن مظاهر حياء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تبدو في عامة أحواله ، نذكر بعضا منها يدل على سائرها : ( أ ) أن بعض أصحابه كانوا لفرط كرمه يتناولون الطعام ، ثم يأخذون في الحديث ، فكان هذا يؤذى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقد يكون منه اضطراب في بيته ، وإقلاق لراحة أهله ، وضيق في ذات نفسه ، ولكن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يستحيى من أن يأمرهم بالخروج ، أو يطلبه إليهم ،
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب : 53 ( 2 ) الشفاء ج 1 ص 68 .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 187 | محمد ابو زهره