تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
ولكن إن كانت المواجهة بينه وبين زعماء الشرك وجها لوجه ، ورأى فيهم استهزاء مقيتا ، وانفرد بهم ، بيّن بأس الله تعالى عليهم ، وقوته ، وما وهبه الله تعالى من هيبة ربانية ، ولنذكر من ذلك واقعتين . إحداهما - أنه يروى عمرو بن العاص أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يطوف بالبيت ، والملأ من قريش جالسون في فنائه ، فكلما مر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم غمزوا بالقول ، فيبدو ذلك في وجهه ، وكرروا ذلك حتى أتم الطواف سبعا ، ثم التفت إليهم ، ووقف وقال لهم في قوة المؤمن ، وعزمة الصادق ، وهيبة القائل : يا معشر قريش شاهت الوجوه ، وأرغم الله هذه المعاطس ؛ لقد جئتكم بالذبح ، أو كما قال عليه الصلاة والسلام ، فراعهم قوله وأفزعهم ، فما كان منهم أحد إلا كان يرفوه بأحسن القول ، ويقول : اذهب أبا القاسم موفورا . ما علمنا عليك شراقط . ولا شك أن الهيبة الإنسانية التي منحها إياه رب العالمين كانت هي الفاصلة في هذا ، وما كان النهديد الذي ساقه عليه الصلاة والسلام له الأثر النفسي ، إلا لصدوره عن مهيب قوى . الثانية - أن أشد الناس طغيانا على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عمرو بن هشام الذي سماه التاريخ الإسلامي بحق أبا جهل فقد كان فاجرا ، لا شرف في القول يقيده ، ولا خلق كريم يمنعه ، بل كان الحقد الدفين يدفعه ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يصابره ليثير عطف الناس على الدعوة المحمدية ، يترك هذا الطاغوت في اندفاعه إلى الشر وصبره له . ولقد كان لبعض العرب دين عليه ، فماطله ، ثم امتنع عن السداد فرأى أن يستعين ببعض زعماء مكة ممن هم على شاكلته ليستأدوه دينه ، فأحالوه تهكما - على محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم - فذهب إليه الرجل يستعين به ، فذهب النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيت أبى جهل الطاغية ، وطرق الباب ، فخرج إليه ، وفرائصه ترتعد ، من هول العزمة المحمدية ، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام : أد للرجل دينه ، فذل كبرياؤه كبرياء الجاهلية ، وأحضر المال وسدد الدين صاغرا ، وصار هو أضحوكة الجاهليين أشباهه . وكان عليه الصلاة والسلام يخفف من جأش من تناله هيبته عليه الصلاة والسلام . دخل عليه رجل ، فأصابته من هيبته عليه الصلاة والسلام رعدة ، فقال عليه الصلاة والسلام : « هون عليك ، فإني لست بملك ، انا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد » . وروى أبو هريرة : دخلت السوق مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فاشترى سراويل ، وقال للوزان : وأرجح أي ( أوف الميزان ) ، فيثب التاجر إلى يد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقبلها ، فجذب يده ، وقال : هذا ما يفعله الأعاجم بملوكها ، ولست بملك إنما أنا رجل منكم . ثم أخذ السراويل ، فذهبت لأحملها ، فقال صلى الله عليه وسلم : « صاحب الشيء إحق بشيئه أن يحمله » .