وقليل من الناس من يلتقى فيه التواضع والهيبة ، وإن محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم قد وصل إلى أسمى درجات الهيبة ، ونزل من التواضع إلى درجة يقرب فيها من كل ذي حاجة وذي ضعف ، يأنس به الضعيف ويرجوه ذو الحاجة في حاجته .
إن أكثر الذين يستكبرون ممن يحسون يضعف في نفوسهم ، ولا يجدون في أنفسهم قدرة شخصية تفرض هيبتهم فيستعينون بالكبرياء وغمط الناس والتسامى عليهم ، ليعوضوا النقص ، ويخففوا الضعف ، أو يخلقوا هيبة صناعية : مصدرها مال ، إن ذهب فقد ذهبوا ، أو منصب يتعالون به إذا ألقوا عنه أصيبوا بالصغار والضياع ، أما ذو الشخصية المهيبة بتكوين الله تعالى ، وبما منحه الله تعالى من علم وفضيلة وقوة نفس . فإنها لا تحتاج إلى المهابة الصناعية والغطرسة والاستعلاء بها على الناس ، والاستهانة بهم ، واستصغار أمورهم .
والمهابة الفطرية التكوينية المستمدة من العلم والخلق والفضيلة هي والتواضع صنوان ينبعان من معين واحد ، فهما لا يفترقان ، لأن المهابة الفطرية ليست في حاجة إلى غذاء صناعي ، بل إن المهابة توجب التواضع ليكون التالف والتكامل الجماعي .
العفو والتسامح :
139 - ينبعان من قلب سليم وخلق كريم ، ولقد قالت عائشة رضى الله تبارك وتعالى عنها وعن أبيها في خلق النبي صلى الله عليه وسلم : « كان خلقه القران » ، فهو يأخذ بهديه ، ويتبع منهاجه من غير عوج ، ولا التواء ، والله تعالى يأمره بقوله :
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
« 1 » واستمع إلى قوله تعالى :
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
« 2 » .
وقد هيأه الله تعالى قبل البعثة ، ليكون العفوّ عن هفوات الناس ، المتجاوز عن أخطائهم ، وإن العفو والسماحة لا يسكنان إلا قلبا خاليا من الأحقاد والأضغان ، ومن يعمل ليقود الخلق إلى الحق لابد أن يكون نظره إلى ما هو أمامه ولا ينظر إلى الوراء ، والأحقاد والأضغان ، ومحاسبة كل امريء عليه ما كان منه ، إنما هي تشد صاحبها إلى الوراء ، فلا يكون تفكيره إلى ما يجب عليه القيام به في المستقبل ، بل يكون تفكيره في شفاء غيظ من أسقامه التي كانت في الماضي ، ومن يأتي برسالة داعيا إلى الحق ، لا يكون دبرى النفس يشغله الماضي عن الحاضر ، بل يكون عاملا للمستقبل .
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : 199 .
( 2 ) سورة فصلت : 34 .