تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
عندما فتح الله تعالى له مكة المكرمة ، نادى الملأ من قريش ، ولم يفكر فيما كانوا يصنعون به وبأهل الإيمان إن كان لهم النصر ، ولكنه فكر فيما ينبغي لمثله معهم ، وتطييب قلوبهم ، وإزالة الأحقاد من نفوسهم ، فقد قال لهم في ود راه في موضعه : ما تظنون أنى فاعل بكم ، قالوا أخ كريم وابن أخ كريم ، ما نظن إلا خيرا . قال أقول لكم ما قاله أخي يوسف لإخوته : « لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم ، وهو أرحم الراحمين » اذهبوا فأنتم الطلقاء ، وبذلك أنهى الأحقاد ، ووضعها دبر أذنه ليستقبلوا عهدا جديدا في الإسلام . إن الداعي بدعاية الحق ، يجب عليه أن يطهر نفسه من أمرين : أحدهما أدران التألم من الناس لأذى سبقوا به ، أو لحسك الصدور ، أو لفحش كان منهم ، فإنه جاء لهدايتهم ، لا لمقابلة إساءة بمثلها ، ولا ليشغل نفسه بالنقمة بهم ، وإن كانت حقا أو أخذ حق ، ولا علاج لذلك إلا بأن يجعل نسيان الماضي ، والتسامح ، هو السبيل لهذا النسيان ، والعفو عما سلف من سيئات هو الذي يمكن الداعي من الخلاص إلا من الحق . ثانيهما : أن يبعد الأثرة عن نفسه ، فلا يفكر في العمل لنفسه ، وذلك يقتضى الإيثار ، والفناء في دعوته التي يدعو إليها ، وإن تطهير النفس من الأثرة ، إنما يكون بتغليب ترك الحقوق إذا لم يكن في تركها إقامة لباطل ، أو خفض لحق ، أو سكوت عن حق عام ، فالداعى ينسى حقوقه الشخصية ، بل يهملها من غير تهاون ، ولا يترك حقا عاما ، ولا أمرا من موجبات دعايته فإن تساهل في حقوقه ، فلكى يتفرغ بكله للحقوق العامة . وإذا كان ذلك ما ينبغي أن يكون عليه دعاة الحق ، والناصرون له من الناس ، فكيف يكون الشأن ممن هو رسول لرب العالمين ، إنه ينسى حقوق نفسه ، فيعفو عنها ، ويذكر حقوق الناس فلا يفرط في أي جزء منها . ولقد قالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها في وصف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم « لم يكن فاحشا ، ولا متفحشا ، ولا صخابا في الأسواق ، ولا يجزى بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح » . وفي الجملة ما كان يحمل إلا الخير ، وينفى عن نفسه كل ما يثيرها على أحد ، فلا يكون منه إلا النفع ، ولا يحمل نفسه عناء البغض والكراهة إلا أن يكون لله .

حياؤه :

139 - الحياء صفة نفسية يظهر أثرها في العمل على ألا يفاجيء الشخص الناس بما ينفرهم ، أو بما لا يألفون ، لا يظهر منه ما يخالف الفضيلة ، فلا يعلن رذيلة ، ولا أمرا لا يتلقاه الناس بالقبول ، ويعمل