محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه ، والذي خلقه ليحمل أقوى رسالة ، وأعظم هداية ، رباه ربه على الصفح الجميل ، ليكون قلبه متجها دائما إلى ما هيأه الله تعالى له ، من حمل الدعوة إلى الحق ، متفرغا لها ، فما كان من إحن يضعها دبر أذنه ، وما كان من واجب تفرغ له ليبلغ الرسالة على أكمل وجه ، فلا يشغل نفسه حقد ، ولا تملؤها إحن ، فحسك الصدور يشغل عن العمل ، ويفسد الصلات ، ويغرى بالعداوة ، ونبي الله تعالى فوق أن يشغله ضغن .
ولقد كان النبي عليه الصلاة والسلام كذلك قبل أن يبعثه الله تعالى ، فلم يعلم في تاريخ حياته أنه شغل نفسه بأحقاد الجاهلية وما كانت تبثه من عداوات ، بل إنه في اخر الرسالة يعلن الصفح الكامل ، فيقول في قوة ذي العزم من الرسل ، « ألا إن دم الجاهلية موضوع ، وأول دم أبدأ به دم عمى الحارث بن عبد المطلب » .
ولقد كان بعد البعثة حريصا على سد كل مسام الأحقاد والأضغان ، وذلك بمنع النميمة ، ولو كان ما ينقل صدقا ، فقد ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال « لا يبلغني أحد عن أحد شيئا إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر « 1 » » .
ولمحبته للعفو الكريم والصفح الكريم ما كان يوجه لوما على عمل عمل ما دام يخص نفسه ، يقول أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : « والله ما قال لي لشيء صنعته لم صنعت هكذا ، ولا لشيء لم أصنعه لم لم تصنع »
ويقول ذلك العشير الذي خدمه في السفر والحضر : « كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من أحسن الناس خلقا ، أرسلني لحاجة ، فقلت : - لا أذهب - وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فخرجت حتى أمر على صبيان ، وهم يلعبون في السوق ، فإذا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، قد قبض بقفاى من ورائي قال : فنظرت إليه وهو يضحك ، فقال يا أنس ، ذهبت حيث أمرتك ؛ . فقلت : نعم أنا أذهب يا رسول الله » ومضى أنس خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حيث أمره أو طلب إليه من حاجة « 2 » .
هذا خبر يبدو صغيرا في مقام أخبار النبوة المحمدية ، ولكنه كبير في مغزاه ، وفي معناه ، وقد بدت السماحة وسماحة الأخلاق ، أولا - في أنه عفا وسامح خادمه وهو يعانده ، ويرد قوله ظاهرا ، فما لامه ، ولا عتب عليه ، ولا احتسبها عليه ، ولكنه تركه لتقديره ، وقبل ألا يذهب إلا مختارا غير مأمور .
هامش
( 1 ) البداية والنهاية ص 6 ص 26 .
( 2 ) الكتاب المذكور .