تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
اليد السفلى » وقوله في الأمر لا يختلف فيه « ولا ينطح فيه عنزان » وقوله عليه الصلاة والسلام في توزيع خيرات الله تعالى في أرض الله ، كل أرض بحصتها من الرزق : « كل أرض بسمائها » وقوله في الرفق بالنساء وقد سار السائق يسوق رحالهن بعنف : « رويدك رفقا بالقوارير » . وإن هذه التعابير جلها جديد في العربية لم يسبق بها في قول قائل ، وهي واضحة المعنى بينة المقصد ، لا تعلو على العامة ، ولا تجفو عنها اذان الخاصة ، بل كل الناس يجد فيها علما لم يكونوا به عالمين . ( ج ) أن كلامه عليه الصلاة والسلام من جوامع الكلم ، فيه حكمة ، وفيه ألفاظ قليلة ومعان جديدة لم تكن معروفة . انظر إلى قوله عليه الصلاة والسلام ، وقد سئل : أنحاسب على ما تنطق به ألسنتنا . فقد قال عليه الصلاة والسلام مجيبا ، « وهل يكب الناس على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم » وقوله في صلة الرحم عند المنابذة والقطيعة : « ليس الواصل بالمكافيء ، إنما الواصل من يصل رحمه عند القطيعة » ، ومثل قوله : « رحم الله عبدا قال فغنم أو سكت فسلم » . ( د ) وإنه من الظواهر العامة في كلامه عليه الصلاة والسلام أنه يخاطب العقل والوجدان من غير استكراه للألفاظ أو تكلف في المعاني ، بل كل ذلك يجرى سهلا طيبا قيما . فيه إرشاد وتوجيه ، اقرأ قوله عليه الصلاة والسلام يدعو المؤمنين إلى أن يكونوا إيجابيين في أقوالهم وأفعالهم ، لا يتبعون من غير تفكير : « لا يكن أحدكم إمعة يقول إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤا أسأت ، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس تحسنوا ، وإن أساؤا فتجنبوا الإساءة » . ( ه ) خلو كلامه عليه الصلاة والسلام من الصناعة البديعية ، فهو بديع في ذاته من غير صناعة ، وقد يجيء أحيانا في كلام الرسول بعض السجع ، ولكنه سجع غير مقصود ، بل هو من إحكام القول ، فمثلا قوله عليه الصلاة والسلام : « رحم الله عبدا قال فغنم أو سكت فسلم » لا شك أن فيه سجعا ، أو ما يقرب منه ، ولكن التكلف غير موجود ، وإن كل لفظ منه موضوع في معناه ، لو أردت أن تغيره ما طاوعك المعني ، فهل يمكن تغيير كلمة غنم مع ما فيها من ثروة في المعاني بغيرها يؤدى مؤداها ، ويكون في إيجازها ، ونسقها ، وكذلك الأمر إذا أردت استبدال سلم مع ما يرمى إليه من سلامة العرض واللسان عن لغوه ، وتوفير العقل ، والابتعاد عن لجاجة القول ، فهو عليه الصلاة والسلام ، لا يقول إلا حكما ، ولا ينطق إلا فصلا ، وتلك غاية قوله ، فإن كانت حلية ، فهي الحلية التي لا تكلف فيها ، ولا استكراه في نسقها ، أو محاولة الصناعة التي تغطي الكلام الفطري ، وتغشاه بغواش من ضجيج الأوزان .