تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
مدرك لها ، وتحصيل واع لكل ما يسمع ، وحفظ لكل ما يجرى حوله . ولقد ذكر بعض الرواة أنه كان يعرف ألفاظا كثيرة من الفارسية ، والرومانية ، وإن لذلك شاهدا من كتبه للرومان ، فقد جاء في ذلك الكتاب : « أسلم تسلم ، وإلا فعليك إثم البريسيين » ، وهذا لفظ روماني استعمل في معناه الدقيق ، وهم العامة والزراع وغيرهم من الدهماء . وإن تعلمه لهجات العرب وفوارق لغاتهم يدل على أن الله تعالى كان يعده لهذه الرسالة الإلهية العامة ، ولقد ساق القاضي عياض شواهد من كتبه عليه الصلاة والسلام إلى همذان ، ووائل بن حجر ، ووازنها بكلام قريش في الصدقات . ثم يقول القاضي عياض في الشفاء : « وأما كلامه المعتاد وفصاحته المعلومة ، وحكمه المأثورة ، فقد ألفت فيها الكتب ، ومنها ما لا يوازى فصاحة ، ولا يبارى بلاغة كقوله : « المسلمون تتكافأ دماؤهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم ، وهم يد على من سواهم » ، وقوله : « الناس كأسنان المشط » . « والمرء مع من أحب » . « ولا خير في صحبة من لا يرى لك ما ترى له » ، « الناس معادن » « وما هلك امرؤ عرف قدره » . « والمستشار مؤتمن » . . « ورحم الله عبدا قال خيرا فغنم أو سكت فسلم » وقوله « أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين » وقوله : « إن أحبكم إلى وأقربكم منى مجالس يوم القيامة أحسنكم أخلاقا ، الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون » . وقوله : « ولعله كان لا يتكلم بما لا يعنيه ، ولا يبخل بما لا يغنيه » وقوله : « ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها » ، ونهيه عن قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال ، ومنع وهات ، وعقوق الأمهات ، ووأد البنات » وقوله : « اتق الله حيثما كنت ، وأتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن » ، و « خير الأمور أوسطها » ، وقوله : « أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما » وقوله : « الظلم ظلمات يوم القيامة » ، وقوله في بعض دعائه : « اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدى بها قلبي وتجمع بها أمرى ، وتلم بها شعثى ، وتصلح بها غائبي ، وترفع بها شاهدي ، وتزكى بها عملي ، وتلهمني بها رشدي ، وترد بها ألفتي ، وتعصمني بها من كل سوء ، اللهم إني أسألك الفوز عند القضاء ، ونزل الشهداء ، وعيش السعداء ، والنصر على الأعداء » . هذا ما روته الكافة عن الكافة من مقاماته ومحاضراته ، وخطبه ، وأدعيته ومخاطباته » « 1 » . ولقد ذكر من بعد ذلك القاضي عياض عهوده عليه الصلاة والسلام التي كان يعاهد بها القبائل ، والهدنات التي يهادن بها ، فإنها بلغت من إحكام المواثيق ، ودقة الشروط ما لا يصل إليها تحرير كاتب ، ولا توثيق معاقد ، فإنها بلغت مرتبة لا يقاس عليها ، ولا تحاكي ، وسبق فيها سبقا بعيدا لا يقدر قدره .
هامش
( 1 ) الشفاء ج 1 ص 46 .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 169 | محمد ابو زهره