تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢

بناء قريش

122 - اتجهت قريش بعزمة ماضية ، وإن شئت فقل مخلصة طاهرة ، إلى بناء البيت بجهود أبنائها ، وأموالهم الطيبة التي لا خبث فيها ، فليس فيها ثمن دم مغصوب ، ولا ربا ، ولا مهر بغى ، ودخلوا غير متنازعين ، ولا متخاصمين ، ولا متخاذلين ، أعدوا لذلك العمل الخطير في معناه ، وإن لم يكن البناء كبيرا في ذاته بين الأبنية التي كانت تجرى في إرم ذات العماد ، وفرعون ذي الأوتاد ، ولكنها أقدس ما بنى البشر ، وما أقام أهل الحضر والمدر والوبر ، لأنها الكعبة ، أول بيت وضع للناس مباركا . تقدموا للهدم ثم البناء ، ويظهر أن قدم العهد بالبناء والأحجار ، قد جعل بعض الهوام يعيش على مقربة منه ، فقد زعموا أنهم قد رأوا حية قد أحاطت بالبيت رأسها عند ذنبها ، فأشفقوا منها إشفاقا شديدا وخشوا أن يكونوا قد وقعوا منها في هلكة ، ووقفوا حيارى لا يقدمون ، فلما سقط في أيديهم ، والتبس عليهم الأمر ، حسبوا أن يكون ذلك لتأثمهم عند البناء بإثم ، أوليس في مالهم طهر ، أو في العمل الذي أعدوه خبث ، أو أن في النفوس شيئا ، عندئذ وقف المغيرة المخزومي ، ينصح لهم بعدم التحاسد والتشاجر ، وأن يقتسموا ، ثم جددوا العزيمة . وقد جاء في تاريخ الحافظ ابن كثير أنهم لما عزموا ذهبت الحية ، وتغيبت عنهم ، ورأوا أن ذلك من الله عز وجل . وإن خبر الحية إن صح نقول إما أن تكون قد ركنت إلى بعض أحجار الكعبة ، ويصح أن المولى جل جلاله سيرها إليهم لا من السماء ، ولكن من مكان اخر ، ليفزعوا ، ولتتطهر قلوبهم من رجس الجاهلية عند بنائها ، فهي بيت الله الذي بناه بأمر نبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، فلابد أن يا بنى بأطهار على الأقل في ساعة بنائه ، وقد قاموا بتطهير أنفسهم ، وتطهير أموالهم ، وتولوا بأنفسهم إقامة البناء . « اقتسموا البناء أرباعا ، فكان الربع الأول الذي فيه شق الباب لبنى عبد مناف وزهرة ، وبنو مخزوم لهم ما بين الركن الأسود والركن اليماني ، ومعهم بطون من قريش إنضموا إليهم ، وظهر الكعبة لبنى جمح وسهم ، وكان شق الحجر لبنى عبد الدار بن قصي وبنى أسد بن عبد العزى وبنى عدى ، وهو الحطيم » « 1 » . وبعد أن قسموا هذا التقسيم ، وارتضته القلوب كان يجب أن يبتدئ العمل بالهدم أولا ، ثم البناء ثانيا ، ولكن لهيبة الكعبة في نفوسهم ، ولعجزهم عن أن يعرفوا أهذه إرادة الله رب البيت وحاميه ، أم هي أهواؤهم الدافعة إلى أن يفعلوا - هابوا أن يهدموا . عند هذا التردد والتلكؤ تقدم الوليد المخزومي ، وحمل
هامش
( 1 ) البداية والنهاية ج 3 ص 303 .