تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
وقد بينّا أن البقعة في ذاتها قبل البناء عليها كانت معروفة في التواريخ القديمة ، وقد أكد هذا المعنى ابن كثير ، فقال إن بقعة البيت الحرام كانت معظمة من قبل بناء إبراهيم ، فقال : « وكانت بقعته معظمة قبل ذلك معتنى بها ، مشرفة في سائر الأعصار والأوقات » . وإن ذلك كلام حق إذ أن نص القران الكريم يوميء إلى أن البيت كان له مكان مقدر قبل أن يبنيه خليل الله تعالى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام ، وقد قال تعالى :
وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ
« 1 » فكلمة بوأنا توميء إلى أن اللّه تعالى قدر لهذا البيت مكانا من قبل ، وهدى إليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام . وإننا إذ انتهينا إلى ما قرره ابن كثير وغيره من أن مكان البيت كان معتنى به ، وكان معظما ومشرفا ، قبل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، فإنا قد نحسب أن تكون بناية قد أقيمت حوله للعناية به ، ولحفظه من أن يضيع في غيره ، ولكن من هم الذين بنوه ، وما مدى ما فعلوا ؟ إن ذلك هو المسكوت عنه ، والبحث عنه من غير وسائل معرفة من كتاب معصوم ، أو تاريخ وثيق ، رجم بالغيب وتظنن في غير مظنة . ولعل فضول العلم تجعلنا نتساءل أيهما بنى أولا ، البيت الحرام أم المسجد الأقصي ، فنجيب أنه من المؤكد أن البيت الحرام الذي بناه هو إبراهيم ، وقيل إن الذي بنى بيت المقدس هو يعقوب حفيد إبراهيم ، وقيل بنى من بعد ذلك ، وقد ثبت في الصحيحين عن أبي ذر : قلت : يا رسول الله ، أي مسجد وضع أول : قال المسجد الحرام ، قلت : ثم أي ؟ قال : المسجد الأقصى » . ولابد أن نتصور أنه بعد أن بناه إبراهيم خليل الله تعالى ، قد جرت فيه إصلاحات كثيرة ، فما كان بناء إبراهيم عليه الصلاة والسلام ليستمر قائما غير قابل للتهدم أكثر من ألفي سنة ، فلم يكن كالأهرام بناه فرعون الذي اغتصب كل القوى في بنائه ، ولكن بناه إبراهيم الخليل هو وابنه الذبيح من غير أن يجرى فيه غصب حجر أو مدر أو وبر ، أو قوة أي إنسان .
هامش
( 1 ) سورة الحج : 26 .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 151 | محمد ابو زهره