تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
لقد أتموا بناء البيت الحرام ، وكان ارتفاعه الذي بنوه ثمانية عشر ذراعا وأخرجوا منه الحجر ، وهو ستة أذرع ، أو سبعة من ناحية الشام ، لأنهم قد قصرت نفقتهم ، فلم يتمكنوا أن يبنوه على قواعد إبراهيم . وقد يسأل سائل ، إن المفروض أن قريشا كانوا من أغنياء العرب ، وبجوارهم ثقيف ، وهم أغنياء ، وكان ممكن أن يعلنوا اكتتابا عاما يجمعون به ما يريدون ، فكيف تقصر بهم النفقة عن البناء . والجواب عن ذلك أنهم لم يشركوا العرب في بنائهم ليبقى لهم الاختصاص بسدانته وبشرفه ، وبإنشائه ، وفوق ذلك هم أرادوا ألا ينفقوا منه إلا بمال مكسوب من طيب حلال ، وليس بمكسوب مما يجرى فيه كسب خبيث أو فيه شبهة خبث قط ، ويظهر أن الطيب من المال عندهم لم يكن كثيرا ، إذ كثر فيهم الربا والميسر ، ومن الصعب إخراج الطيب ، من بين هذا كله . ولقد جعلوا للكعبة بابا واحدا من ناحية الشرق ، ويقول ابن كثير : جعلوه مرتفعا لئلا يدخل إليها كل أحد ، فيدخلوا من شاؤوا ، ويمنعوا من شاؤوا . وإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يريد أن يعيد البيت إلى ما كان على بناء إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، لولا أنه يخشى عليه كثرة الهدم والبناء ، فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضى الله تبارك وتعالى عنها أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال لها : « ألم ترى أن قومك قصرت بهم النفقة ، ولولا حدثان قومك بكفر لنقضت الكعبة ، وجعلت لها بابا شرقيا ، وبابا غربيا وأدخلت فيها الحجر » . 124 - تم بناء البيت الحرام ، ولم يختلفوا في شيء عند إقامته ، لأن كل قسم منه اختصت به بطن من بطون قريش ، ولكن أمرا لا يقبل القسمة اختلفوا فيه ، وهو الحجر الأسود ، اختلفوا فيمن الذي يضعه في موضعه من هذه البنية . تجادلوا فيمن يضعه ، وتخالفوا ، وكان الخلاف شديدا ، وكادت الدماء تسيل لتلغ فيها السيوف ، أراد بنو عبد الدار أن يضعوه ، بما أعطاهم من قبل قصى من سدانة البيت ، وقربوا جفنة مملوءة دما ، ثم تعاقدوا هم وبنو عدى بن كعب بن لؤي على الموت وأدخلوا أيديهم في الدم المملوءة به الجفنة . ومكثت قريش على تلك الحال التي تأزمت حلقاتها أربع ليال سويا . ثم اجتمعوا بعدها في المسجد الحرام ، وتشاوروا في هدأة ، وأخفيت جفان الدم أو جفان الموت ، وتناصفوا في القول ، وأخفوا نوازع الشر ، أو استلوها من الأضغان ، وأن القصد الطيب يكف في كثير من الأحيان نوازع الشر ، فيفتح في وسط الخصام ، نورا من الوئام ، وقد كانت الجلسة الهادئة سبيل ذلك ، ببركة بيت الله الحرام .