ونرى من تلك المناقشة كيف لا يعرض شرفه وأمانته ، وتكونان محل قبول أو رفض لأن الأمين حقا وصدقا ، لا يجعل الأمانة ولا الشرف متجرا يتجر به ، ولكن الشرف في ذاته مطلوب ، والأمانة سجية ، لا يتخذها سبيلا للكسب ، وليس هو غايتها ، لا تطلب إلا له ، ولكن تكون ثمرة طيبة ، كما تثمر الأرض الطيبة ، والشجرة اليانعة .
قيل أنها بلغتها هذه المحاورة بين العم وابن الأخ فطلبته ، وأنها كانت تعرف صدقه وأمانته وكرم أخلاقه . وأنها ما كانت تعلم أنه يريد هذا .
وعندي أنها كانت تفكر فيه ، وأن رغبتها تلاقت مع رغبة عمه سواء أعلمت بالمحاورة أم لم تعلم ، وإذا أراد الله تعالى أمرا تهيأت أسبابه ، وكان التوفيق بنجاحه .
أرسلت خديجة إلى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ، تطلبه وقالت له :
« دعاني إلى البعثة إليك ما بلغني من صدق حديثك ، وعظم أمانتك ، وكرم أخلاقك ، وأنا أعطيك ضعف ما أعطى رجلا من قومك » .
إننا نلمح من ثنايا السطور أنها كانت راغبة في أن تعهد إليه بتجارتها من ذات نفسها أو أنها لرغبتها أعطته ضعف ما كانت تعطى غيره ، ولماذا ضاعفت الأجر ؟ الجواب عن ذلك أنها وقع في نفسها أن التجارة ستكون رابحة بفضل الأمانة ، ولتشجعه على الحرص ، وربما تكون رغبة خفية ، جعلتها تعامله بما لم تعامل به غيره ، وأخفت ما لا تبديه مما جرى من خير بعد ذلك .
ولقد سارع محمد عليه الصلاة والسلام ، إلى عمه الحبيب يخبره بما جرى ، لأنه طلبته ، فسر عمه ، وقال له « إن هذا رزق ساقه الله تعالى إليك » .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 140
مساهمون: محمد ابو زهره
ص١٤٠