تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
أخلاقه العامة والخاصة ، ولعله أخبرها أيضا بما كان من لقاء الراهب ، ومن إكرام الله تعالى في الحر ، وما حسبه ملكين يظلانه في الحرور إذا اشتد ، وغير ذلك من ارهاصات . ثم ما كانت ترى من مكانة له في قريش ، ومحبة غامرة له من كل من يلقاه ، فهو المحبوب المألوف . كل هذا أوجد فيها طموحا لأن تكون زوجا له ، وأن تكون أما لأطهر الأولاد من أطهر الرجال ، ورغبت في ذلك أشد الرغبة ، وهي التي بعد هلاك زوجيها الأولين اللذين كان لها منهما الولد - كثر طلاب يدها من أشراف مكة ، ولكنها العزوف العيوف التي ردت كل طلب مع كثرة من طلب ، وعلو أقدارهم المادية في نظر الناس ، والنسبية في نظر ذوى الأنساب . ولكنها وجدت في الشاب الهاشمي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ما ليس في الرجال شيبا وشبابا - فرغبت في الإملاك منه في غير عشق ولا هيام ، ولا رعونة وطيش ، ولكن في إرادة مقدرة ، وتفكير في الماضي والحاضر والقابل ، فقد علت خديجة عن حال العشاق ، ولم يكن سنها ، ولا شرفها ، ولا مكانتها في قريش لتسمح أن يغريها من الصفات ما يغرى الغريرات من النساء . ولكن محمدا ( عليه الصلاة والسلام ) هل طمع في الزواج منها أو من غيرها ؟ أو هل حدثته نفسه بمعنى من هذه المعاني ، أو هاجسة من هذه الهواجس ؟ إنه لم يثبت شيء من ذلك لأن محمدا عليه الصلاة والسلام ما خلب كبده أمر من أمور اللذائذ والشهوات وما يتصل بها ، ولكنه إذا نبه يتنبه ، فكان لابد من منبه . 115 - أدركت بفطنتها وغريزتها أنه لابد من أن ينبه ، فتولت هي ذلك الأمر وللنساء فيه قدرة ، وإن كانت من مثل خديجة فيه مواجهة واحتشام من غير إسفاف . أرسلت نفيسة بنت منية لتنبه محمدا عليه الصلاة والسلام ولتجس نبضه . وقد فعلت ، ولنترك الكلمة لها : قالت : كانت خديجة امرأة حازمة جلدة شريفة مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير ، وهي أوسط قريش نسبا ، وأعظمهم شرفا ، وأكثرهم مالا ، وكل قومها كان حريصا على نكاحها ، لو قدر على ذلك ، طلبوها ، وبذلوا لها الأموال . . . فأرسلتنى دسيسا إلى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن رجع في عيرها من الشام ، فقلت : يا محمد - عليه الصلاة والسلام - ما يمنعك أن تتزوج . . قال : « ما بيدي ما أتزوج به ، قلت : فإن كفيت ذلك ودعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاءة ، ألا تجيب . قال : فمن هي ؟ قلت : خديجة . قال : وكيف لي بذلك ، فذهبت فأخبرتها فأرسلت إليه أن ائت لساعة كذا » ذهب محمد عليه الصلاة والسلام للقائها ، فواجهته بالأمر ، وخاطبته بعد أن استوثقت من أنه لا يردها ،