تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
ولأنها يحج إليها الناس من كل فج عميق ، فلا بد أن يتعاون أهلها على جعلها مكانا تقدس فيه الحقوق كما يقدس البيت ، ولأنها أرض البيت الذي جعله الله تعالى مثابة للناس وأمنا ، فلا يكون الأمن للأرواح فقط ، بل يكون للأرواح ، وللأموال ، ولكل ما يحتاج اليه اطمئنان النفس .

الزواج

110 - بلغ محمد صلى الله تعالى عليه وسلم سن الزواج ، ولكنه لم يتزوج في سن مبكرة ، كغيره من الشباب ، بل استمر لا يتجه إلى الزواج ، أو لا يفكر فيه ، حتى بلغ الخامسة والعشرين ، كما سنبين . ولماذا لم يعرف أنه فكر في الزواج من قبل هذه السن ، لقد كان عفا كريما ، لم يقع منه في طفولته ما يشين الكرام ، وقد عصمه الله تعالى يوم هم ، وهو طفل ، أن يلهو بالوقوف عند عرس لا يغشى حراما ، ولكن ربما يرى فيه حراما ، فصانه الله تعالى بأن ضربه فنام ، فنام الليلة كلها ، حتى أيقظته الشمس في ضحاها . وهو ليس حصورا ، كما دلت على ذلك حياته من بعد ، وما كان خاملا في قومه ، بل هو الذي إذا خطب لا ترد خطبته ، وكان فيه خلق قويم يجعل القلوب تهفو إليه ، وفيه جمال يجعل الأنظار تتعلق به ، وتشرئب الأعناق إليه ، وقريش كلها تحبه ، وترضاه صهرا . أكان فقيرا لا يجد ما يبوء به على أهله ؟ نعم إنه لم يكن غنيا ، ولكنه تعود منذ نعومة أظفاره أن يكون عاملا ، فرعي الغنم ، ثم اتجر ، وإذا كان الاتجار لم يأته موفور يرفعه إلي الثراء ، فقد كان فيه الاكتفاء ، فلماذا إذن تأخر في الزواج . إن الذي نلمسه من تاريخ حياته في ابتدائها ، حتى صار شابا ممتليء الشباب أنه ما كان يعير شهوات البدن اهتماما ، فليس للنساء موضع في تفكيره ، إنما يشغل النساء والطعام القلب الفارغ ، وما كان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم في أي دور من أدوار حياته مما يشغل قلبه لذات الجسم ، وشهوات النفس ، لاعن ضعف في النفس ، ولكن عن قوة فيها ، وهمة عالية تتجه إلى معالى الأمور ، وعزيمة صادقة ، وإرادة قوية ، لا تجعل للهو سلطانا عليها ، بل تجعل كل العواطف تحت سلطانها ، والغايات العليا هي التي تجذبها ، فلا تجذبه امرأة مهما يكن فيها من جمال ، ولا تستولى على نفسه غاية يتغياها تتعلق بالبدن ، ولا مطلب من مطالب الجسد ، وإن لم يتجه إلى الحرمان في ذاته .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 137 | محمد ابو زهره