تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١

ارهاصات الرحلة

113 - فصلت العير ، وفيها خير خلق الله تعالى ، تكلؤها عنايته سبحانه وتعالى ، ولم تكن سفرا قاصدا بل كان فيها مشقة ، وإن لم يكن فيها عنت فوق الطاقة ، وكانت عير خديجة واحدها ، تبلغ عير قريش كما أشرنا ، حتى بلغت سوق بصرى التي بلغتها القافلة الأولى التي كان فيها محمد صلّى اللّه عليه وسلّم مع عمه أبى طالب ، وهو في الثانية عشرة من عمره . وروى أنه وصل إلى سوق « حباشة » وهي أرض بتهامة ، ولكن الرواية الأولى هي المشهورة وهي أقرب إلى التصديق ، أو هي الصادقة ، لأن تهامة من أرض العرب ، والرحلة كانت إلى الشام ، إذ كانت العير حاملة البضائع إلى الشام ، لا إلى العرب . وكان معه ميسرة مولى خديجة ، لا ليرقبه ، فما كان يتصور منها ذلك بالنسبة للنبي عليه الصلاة والسلام ، ولكن ليخدمه وليعينه في حله وترحاله . وكان خروج العير أو وصولها لأربع عشرة بقيت من ذي الحجة « 1 » ، وله عليه الصلاة والسلام خمس وعشرون سنة . وكأن هذه العير خرجت بعد قيام الأسواق التي تقام في مكة أيام الحج ، عكاظ ، وذي المجاز ، ومجنة ، وهذا يوميء إلى أنها حملت من بضائع هذه الأسواق التي تجيء من اليمن وسائر نواحي العرب ، قاصيها ودانيها ، وذهبت إلى الشام محملة بها ، وكانت البضائع تباع في مكة ، لتنقل من بعد إلى الشام ، أو إلى اليمن . ولما وصلت العير إلى بصرى كان السير قد بلغ منه الجهد فاوى إلى شجرة قريبة من صومعة راهب هو نسطورا ، وهو غير راهب الرحلة التي كانت مع عمه ، إذ الأول اسمه بحيرى ، وهذا اسمه نسطورا وقد مضى على الأولى نحو ثلاث عشرة سنة ، ربما يكون الأول قد مات ، أو غير صومعته . التقى الراهب بميسرة غلام خديجة ، الذي كان في معونة محمد عليه الصلاة والسلام وخدمته ، وقال له : من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة ؟ قال : هذا رجل من قريش من أهل الحرم ، قال الراهب : ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي . وكأن هذه الشجرة منذ القدم هي منزل الأنبياء ينزلون في ظلها وغيرهم ينصرفون ، ولا يلوون عليها ، وقد استبعد بعض كتاب السيرة هذا المعنى ، لبعد العهد بين محمد عليه الصلاة والسلام ، وعيسى عليه السلام ، والشجرة في نظر هؤلاء المستبعدين لا تعمر في العادة هذا العمر الطويل ، وليس من المعقول أن تخلو شجرة من أن ينزل فيها السيارة في الطريق الطويل وفيه الظل
هامش
( 1 ) المواهب اللدنية للعسقلاني وشرحها ج 1 ص 198 .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 141 | محمد ابو زهره