تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
وقد توادع الفريقان على أن يستأنف القتال بينهما من العام القادم في عكاظ . فلما توافقوا في الميعاد ركب عتبة بن ربيعة جمله ، ونادى : « يا معشر مضر علام تقاتلون ؟ فقالت هوازن : ما تدعو إليه ؟ قال : الصلح ، قالوا : كيف ؟ قال فدى قتلاكم ( أي ندفع الدية عليها ) ونرهنكم رهائن عليها ، ونعفو عن دياتنا ، قالوا : ومن لنا بذلك قال : أنا . قالوا : ومن أنت ؟ قال : أنا عتبة بن ربيعة . فدفع الصلح على ذلك . وبعثوا إليهم أربعين رجلا ، فيهم حكيم بن حزام ، فلما رأوا الرهائن من الرجال بين أيديهم عفوا عن ديانهم ، وانقضت حرب الفجار بصلح كريم » . 108 - وهنا نسأل : ماذا كانت سن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الحرب ؟ وماذا كان عمله فيها ؟ وما الذي حمله على الذهاب إليها ؟ أما من ناحية سنه ، فنقول : إن ابن هشام يقول في سيرته : « إن سنه كانت بين الرابعة عشرة والخامسة عشرة » ويقول ابن إسحاق : إنه كان في العشرين من عمره الكريم . ولا نجد لإحدى الروايتين ترجيحا على الأخرى ، إلا أن يكون سند ابن إسحاق أقوى ، فلقد قال الشافعي رضي الله عنه « الناس في السيرة عيال على ابن إسحاق » ولعله يكون مما يقوى خبر ابن هشام من السيرة أن أعمام النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أخذوه في هذا اليوم ، فهذا يدل على أنه لا يزال حدثا ، ومن بلغ العشرين يكون رجلا . ومهما يكن فإنا نرى أنه كان ابن عشرين ، كما يدل على ذلك ما يجئ في حلف الفضول . ومع أنه بلغ العشرين لم يقدم على القتال ، لأنها ليست حربا عادلة ، وفطرة محمد السليمة ما كانت لتسمح له بأن يقاتل في حرب فاجرة انتهكت فيها الحرمات من الجانبين ، فكلاهما اثم ، فكيف يشترك الطاهر المطهر الذي رباه الله تعالى على عينه في حرب خالطها الإثم . في سببها وفي زمانها ، وفي وقائعها ؟ لم يكن للنبي في هذه الحرب إلا أنه شهدها بعد أن حمى وطيسها ، وكان ذلك بسبب أعمامه الذين اشتركوا فيها ، ولعله كان يود مشاهدتها ، لأن له قلبا طاهرا ، لا يسكن والناس في كرب ، فكان يشاهد ، وإن لم يقم بعمل فيه حرب ، ولقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم في عمله الدافع للأذى ، وليس فيه أحداث : « كنت أنبل على أعمامي » أي أمنع النبل عن أعمامي ، فهو كان درعا واقية لأعمامه ، فلم يغمس يده في حرب إلا أن يكون واقيا لذوي رحمه كالئيه الذين رعوه حق الرعاية .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 134 | محمد ابو زهره