تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
ولكن ما الذي كان يتجر فيه ؟ ما زال هذا السؤال يلح علينا ما دمنا لم نذكر مادة تجارته فيما ذكرنا ، ولكن يصح أن نسد الفراغ في هذا الجزء من تاريخه ، عليه الصلاة والسلام ، بأنه يتجر في البضائع التي تتبادل داخل مكة المكرمة ، ولا تذهب إلى خارجها ، لأنه لم يعرف أنه خرج من مكة المكرمة مع قافلة التجار إلى اليمن أو الشام ، فكانت تجارته عليه الصلاة والسلام ، مع شريكه مقصورة على ذلك النطاق في داخل المدينة ، وما يفد إليها ، وقد كانت فيها أسواق تمتليء بالتجار في موسم الحج ، وكون الحجيج يفدون من أقصى أرض العرب إلى أدناها لابد أن يجعل فيها بضائع ترد إليها مع الحجيج ، ويأخذ الحجيج من بضائع في مكة المكرمة يعودون بها إلى ديارهم . وإذا كانت رحلة الشتاء والصيف لقريش فيها التجارة الخارجية التي ينقلون فيها بضائع الروم إلى الفرس وبضائع الفرس إلى الروم ، فمكة المكرمة كان فيها الاتجار في داخل البلاد العربية في موسم الحج ، ومنها بضائع الروم والفرس في البلاد العربية ، فكانت فيها الأسواق رائجة .

مشاركته في الأمور الجامعة

106 - لم ينقطع محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ، عن قومه في أعمالهم الجماعية ، إذا كانت تتعلق بالتعاون على خير يقومون به ، فإذا كانوا على أمر جامع ذهب إليه ، وشارك فيه ما وسعه المشاركة ، من غير أن يرضى بباطل ، أو لا يبشر بحق ، بل كان دائما مع الحق يستبشر به ، وضد الباطل ، ينغض رأسه به ، من غير صخب ولا شحناء ، فما كانت الشحناء من شأنه ، ولا المباغضة من خلقه ، بل هو في كل أحواله الودود الحليم ، والنفس الطيبة ، وكان يحضر دار الندوة إذا انعقدت ، ويستمع إلى كبراء العرب ، فما يرضيه من قول الحق يستشرف إليه ، ويستبشر به ، وما لا يكون حقا ، يبدو نفوره منه ، ولا يرتضيه . جاء في كتاب زهر الآداب أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في صباه حضر ندوة قريش ، وقد حضر من اليمن كبارهم فنظر إليه قيل من أقيالهم ، ورأى فيه نظرات قوية أحيانا ، وهادئة مستبشرة أحيانا أخرى ، فقال : مالي أرى هذا الغلام تارة ينظر إليكم بعيني لبؤة ، وأخرى بعيني عذراء خفرة ، والله لو أن نظرته الأولى كانت سهاما لانتظمت أفئدتكم ، فؤادا فؤادا ، ولو أن نظرته الثانية كانت نسيما لأنشرت أموآتاكم . لم يكن منقطعا عن الحياة الجماعية ، إذ أنه رسول الرحمة والمحبة وتأليف الجماعات ، فلابد أن يكون بينهم في الكريهة والرخاء ، لا يفترق عنهم إلا إذا كان الإثم ، فإنه يجانبه من غير مباغضة لأهله ، بل