يهداهم إلى الحق واجتناب الآثام ، فمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم ، ليس من طبعه الاعتزال ، بل من طبعه الاتصال بالناس ، ليعرف مواطن الصحة ومواطن المرض ، فاعتزال الحياة والأحياء ليس من الطبع القوى ، بل هو من الضعف العصبى ، إلا أن يكون لعبادة ، فإنه إن اعتزل الناس استأنس بالله ، فيقدم من بعد ذلك على الناس ، وقد ادخر لنفسه قوة يسير بها في الحياة .
حرب الفجار
107 - الفجار مصدر فاجر ، فمصدر فاعل فعالا أو مفاعلة ، كقتال ومقاتلة ، ونقاش ومناقشة ، والفجار معناه تبادل الفجور ، أي وقع فيه كل من المتحاربين ، وكان الفجور الذي تبادله الفريقان ، هو أنهما أقدما على القتال في الشهر الحرام ، وابتداء القتال فيه كان حراما في الجاهلية ، ولعله بقية من بقايا إبراهيم عليه السلام ، ولذلك جاء الإسلام بتحريم ابتداء القتال فيه أو السير بالقتال فيه إلا لضرورة ، ولقد قال الله تعالى : « إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض ، منها أربعة حرم ، ذلك الدين القيم ، فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة ، كما يقاتلونكم كافة ، واعلموا أن الله مع المتقين » « 1 » .
والأشهر الحرم كما روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم هي « ذو القعدة وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب الذي بين جمادى وشعبان » وكان القتال فيها حراما ليكون الأمن والاطمئنان في الحج إلى البيت والعودة منه ، وكان رجب محرما فيه القتال ، لأنه شهر عمرة مضر .
وقصة هذه الحرب ، التي انتهك فيها الشهر الحرام كما جاءت في كتب السيرة ، أن رجلا من بنى هوازن اسمه عروة الرجال أجار عيرا للنعمان بن المنذر فيها تجارة وطيب وحرير ، ومعنى إجارتها منع أي أحد من أن يعتدى عليها ، ويقال إنها في جواره ، وتسمى هذه العير اللطيمة .
فلما كانت هذه الإجارة كبر على بعض رجال كنانة وهو البراض بن قيس ، فقال غاضبا :
أتجيرها على كنانة ، فقال عروة : نعم وعلى الخلق كله .
فسار الرجلان ، وقد غافل البراض الكناني عروة ، وقتله ، فقامت الحرب بين القبيلتين وانضمت قريش إلى كنانة ، والتقت كنانة وقريش مع هوازن ، واقتتلوا أربعة أيام ، حضر النبي عليه الصلاة والسلام رابعها . وكان اليوم الذي حضره النبي صلى الله تعالى عليه وسلم هو أشدها .
هامش
( 1 ) سورة التوبة : 36 .