تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
وكانوا ينقلون بضائع الفرس إلى الرومان عن طريق اليمن ، وبضائع الرومان إلى الفرس عن طريق الشام ، فكانت لهم رحلتان : إحداهما في الصيف يذهبون فيها إلى الشام يجلبون إليها بضائع الفرس ، ويحملون فيها بضائع الرومان ، والأخرى في الشتاء يحملون منها بضائع الفرس ويحملون إليها بضائع الرومان ، فكانت التجارة الخارجية سبيل ثروة كبارهم ، والتجارة الداخلية مرتزق أوساطهم ، وأما فقراؤهم فكان مرتزقهم من النعم الإبل والبقر والغنم . ولذلك كان من مقتضى هذه الحياة التجارية أن يتجه محمد عليه الصلاة والسلام إلى التجارة ، عمل الأغنياء ومرتزق الأوساط ، وما من المعقول أن يستمر راعى أغنام ، فإنها تناسبه وهو صغير السن ، أما إذا كبر ، فإنه لابد أن يتجه إلى التجارة الداخلية والخارجية ، وأن يعرف الأسواق التي يكون منها الاستيراد ، ويكون عن طريقها التصدير ، ولابد حينئذ من أن يسافر ، وقد ألهمه الله تعالى أن يطلب السفر مع قافلة قريش التي تحمل البضائع إلى الشام ، وتجلب منها .

سفره مع عمه

101 - عندما بلغ سن المراهقة وشب عن الطوق كان لابد أن يتجه إلى مرتزق قومه وهو التجارة كما نوهنا من قبل ، وجد القافلة وفيها كافله وولى نفسه ، عمه أبو طالب ، فابتغى أن يكون مع هذه القافلة ، يسير بسيرها ، ويجرب الحياة عن طريقها ، ويدرس شؤون التجارة التي يمارسها كبار التجار بمكة ، ويتعرف الأحوال ، ويكون على خبرة بالحياة وما يجرى فيها . ويظهر أن عمه كان يستصغر سنه ، ويرى أن تلك الرحلة الشاقة فوق طاقته ، فوق أنه لا منفعة له فيها ، إذ ليس في القافلة مال له ، حتى يتعرف حاله . ولكن شدة رغبة النبي عليه الصلاة والسلام جعلته يستجيب لطلبه ولقد عبرت كتب السيرة عن رغبة محمد عليه الصلاة والسلام بقولها « صب به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم - أي تعلق بالسفر - وأحب الصحبة فرق له أبو طالب وقال « لأخرجن به معي ولا يفارقني ، ولا أفارقه أبدا » . ونقف هنا وقفة قصيرة ، لماذا كان التعلق الشديد بذلك السفر ؟ قد بينا ما فيه الجواب عن ذلك ، وهو تعرفه التجارة وشؤونها معرفة عيان لا معرفة إخبار ، وأن يمهد لنفسه ممارستها ، والاتجاه إليها بدل الاقتصار على رعى الغنم .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 126 | محمد ابو زهره