تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
فكان أشد ما يخشى على محمد عليه الصلاة والسلام في صباه هو عدوى المجون ، إذ هو محبب إلى نفوس الغلمان في سن المراهقة ، ومحمد عليه الصلاة والسلام كان مراهقا في هذه السن ، ولكنه تربية الله فجنبه ذلك ، وأبعده ، ويحكى عن نفسه عليه الصلاة والسلام والمجون يساوره ، فيعصمه الله تعالى ، فيقول ، وهو الصادق الأمين ما روى البخاري عنه ، أنه قال « ما هممت بشيء من أمر الجاهلية إلا مرتين » . وقد ذكر ابن إسحاق أن إحدى المرتين كان في غنم يرعاها هو وغلام من قريش ، فقال لصاحبه اكفنى أمر الغنم حتى اتى من مكة ، وكان بها عرس فيه لهو وزمر ، فلما دنا من الدار ليحضر ذلك ألقى عليه النوم ، فنام حتى ضربته الشمس عصمة من الله تعالى . وفي المرة الأخرى قال لصاحبه مثل ذلك ، وألقى عليه النوم كما ألقى في المرة الأولى ، وترى من هذا حماية الله تعالى له من الاسترسال في الهوى ، فهو في الخطوة الأولى سد الطريق ، لا بمجاهدة نفسية ، لأن سنه لم تكن تقوى على المجاهدة النفسية ، بل بأمر خارج عن إرادته ، وهو النوم الغامر ، وكان له نعمة ، وتوالى ذلك النوم ، حتى قويت إرادته ، وكانت له عزيمة تمنع ، وقوة إرادة ، وبمقتضى النظام الفكري ، أنه لو لم يعصمه الله تعالى بالنعاس الذي منعه ، ربما كان يسترسل في اتباع الهوى ، وبذلك تسيطر الشهوات ، فكانت العصمة المانعة في أول الخطوة ، وأول الدفعة ، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى كما قال عليه الصلاة والسلام من بعد أن منحه الله تعالى الرسالة .

إلى التجارة

100 - اشتهرت قريش بين العرب بالتجارة ، فكان سراتها تجارا ، ذلك أنها لم تكن بلد زرع ، بل كانت بواد غير ذي زرع ولم يكن في العرب صناعة تكون موردا اقتصاديا ، لأنها كانت مثابة أمن للناس بوجود البيت الحرام ، فكان حجاح ذلك البيت يجيئون من كل فج عميق ، وكانت الأسواق تقام في الحج ، كان فيها الاتجار ، وفيها تعقد ندوات الشعر ، والمسابقات البيانية ، فكان مع تبادل البضائع تروج بضاعة البيان . وكان كسب أغنياء قريش من التجارة ، وأوساطهم في المال كانوا يتجرون كل على حسب طاقته ، وعلى حسب ما عنده من المال ، وكبار التجار منهم كالعباس بن عبد المطلب ، والوليد بن المغيرة وأبى بكر ، كانوا يتجرون في الجلب من اليمن والشام .