قال بحيرى : صدقت قد كان ما تقول ، ولكنكم ضيف ، وأحببت أن أكرمكم ، وأصنع لكم طعاما تأكلون منه كلكم . فاجتمع القوم إليه ، ولم يتخلف إلا محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لحداثة سنه ، وبقي تحت الشجرة يرعى إبلهم ويحرسها ، فلما رآهم لم ير الصفة التي عرف بها الرسول المنتظر في كتبهم ، فذكر لهم أنه طلب ألا يتخلف أحد منهم عن طعامه ، فقالوا : يا بحيرى ما تخلف أحد ينبغي له أن يأتي ، إلا غلام وهو أحدثنا سنا ، فتخلف في رحالنا ، قال : لا تفعلوا ادعوه ، فليحضر هذا الطعام .
فقال رجل من قريش مع القافلة : واللات والعزى إن كان للؤم منا أن يتخلف محمد بن عبد الله ابن عبد المطلب عن طعام من بيننا . حضر محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الوليمة ، واختصه الرجل بفضل من العناية فاحتضنه وأجلسه .
أخذ بحيرى يلحظه لحظا شديدا ، وينظر إلى أشياء من جسده ، قد كان يجدها عنده من صفته .
حتى إذا فرغ القوم من طعامهم ، وتفرقوا قال له : يا غلام أسألك بحق اللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك . وإنما قال بحيرى ذلك ، لأنه سمع قومه يحلفون بهما .
فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وهو غلام لم يبعث : لا تسألني باللات والعزى شيئا ، فوالله ما أبغضت شيئا قط بغضهما . عدل بحيرى عن استقسامه بهما ، وقال : والله إلا أخبرتني عما أسألك عنه ، فقال عليه الصلاة والسلام : سلني عما بدا لك .
جعل بحيرى يسأله عن رحلته وهيئته وأموره ، ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يخبره ، ويقول ابن إسحاق : فوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته .
ثم نظر إلى ظهره ، فرأى خاتم النبوة بين كتفيه ، في موضعه من صفته التي عنده .
فلما فرغ أقبل على عمه أبى طالب ، فقال : ما هذا الغلام منك ، قال : ابني ! ! قال بحيرى : ما هو بابنك ، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا . قال أبو طالب : فإنه ابن أخي . قال : فما فعل أبوه ؟ قال :
مات وأمه حبلى به ، قال : صدقت ، ارجع بابن أخيك إلى بلده ، واحذر من اليهود ، فوالله لئن رأوه ، وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا ، فإنه كائن لابن أخيك شأن عظيم فأسرع به إلى بلاده .
فخرج به عمه أبو طالب سريعا ، حتى أقدمه مكة ، وأنجز تجارته « 1 » .
هامش
( 1 ) البداية والنهاية لابن كثير ، السيرة لابن هشام ، الاكتفاء .