تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
أما امتناع أبى طالب ابتداء كما يوهم القول ، فسببه الخشية عليه من وعثاء الطريق ، ولخشية الضيعة ، ولذا عندما نزل على إرادته قال « لا يفارقني ولا أفارقه » . خرج محمد صلى الله تعالى عليه وسلم مع عمه للتجارة بالشام ، فحلت القافلة بأرض مدينة بصرى ، وبصرى كانت موطنا لصوامع الرهبان ، يقيمون بها ، منصرفين إلى عبادتهم ، وتعرف الإنجيل والتوراة ، وما يحتويان ، فكان لهم مع الرهبنة والزهادة علم بالكتاب وإشارته ، وتبشيراته .

ارهاص وبشارة بالنبوة :

102 - قامت هذه الرحلة مشتملة على إرهاص كبير معلم بنبوة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وفيها إعلان عن البشارة بهذه النبوة والإعلام بأماراتها . لقد كان ببصرى راهب في صومعة ، اسمه بحيرى ، وكان على علم بالكتاب ، وكان نزلاء هذه الصومعة ذوى علم بالتوراة والإنجيل ، يتوارثون ذلك العلم كابرا عن كابر . وكان من طبيعة بحيرى كما هو طبيعة كل الرهبان ألا يخرجوا للقاء القوافل ولا تعرف أحوالها ، ولا استضافة من فيها ، لأن الرهبنة تتقاضاهم العزلة وهم لا يخرجون عن سنتها ، ولا ينحرفون بأنفسهم عن أحكامها ، ويظهر أن قوافل العرب تعودت هذا وتعودوها من هذا الراهب خاصة ألا يلقاهم ، ولا يلقوه . ولكنه في هذه المرة خرج من صومعته ، إذ رأى من البينات ما يتفق وما عنده من التبشير برسول يأتي من بعد عيسى اسمه أحمد . فخرج من الصومعة ليلتقى بتلك القافلة ويعرف من تنطبق عليه تلك الأمارات ، ويتحقق فيه التبشير . ذلك أنهم نزلوا قريبا من صومعته ، وأنه رأى غمامة تظلهم تسير حيث يسيرون وتقف حيث يقفون ، وأنهم إذا اووا إلى فيء شجرة ، رأى أغصانها تتهصر ، وتميل حتى تظل واحدا منهم هو رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وجد هذه العلامات ، ويظهر أنه لم يتبين ذلك الصبى ، أو تبينه وأراد أن يعرف أحواله ، وبقية الأمارات الدالة على أنه المذكور في الإنجيل . ولذلك أراد أن يزيد تعرفه بالقوم ، فاتجه إلى إكرامهم ، فأقام لهم وليمة عامة تشمل صغيرهم وكبيرهم ، لا يتخلف منهم أحد ، وأرسل إليهم يدعوهم ، وقال في رسالته لهم : « إني صنعت لكم طعاما يا معشر قريش ، فأنا أحب أن تحضروا كلكم ، كبيركم وصغيركم ، وعيدكم وحركم » . لم يكن العجب من الدعوة إلى الطعام ، إنما كان العجب من أنه ترك صومعته ، وخرج إليهم ، ولذا قال رجل من قريش « والله إن لك يا بحيرى لشأنا اليوم ، ما كنت تصنع هذا بنا ، وقد كنا نمر بك كثيرا ، فما شأنك اليوم » .